‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

0
مسلمي السنجق ... هل هذا وقت الخلاف والاقتتال ؟!!! يحيي البوليني






تألم المسلمون جميعا في أحداث البوسنة والهرسك , وتصدرت المذابح التي تعرضوا لها كل وسائل الإعلام الإسلامية , وتحرك الكثير من المسلمين لنجدتهم ماليا أو بأفراد أو بغير ذلك من وسائل الدعم على المستوى الشعبي , ولكننا نتألم الألم الأكبر حينما نجد هذه الفئة التي طالما ذاقت من العذاب ألوانا تقتتل فيما بينها على أي سبب مهما كان .
اقليم السنجاق المسلم
فتحد إقليم السنجق شرقا شمالا الجمهورية الصربية ، وتحده من الشمال الغربي جمهورية البوسنة والهرسك، ومن الغرب جمهورية الجبل الأسود، ومن الجنوب إقليم كوسوفو , وتبلغ مساحته حوالي تسعة آلاف كيلومترا مربعا، وسكانه حوالي نصف مليون نسمة يشكل المسلمون أغلبيتهم
والأصل العرقي لأهل البوسنة والسنجاق واحد وهو (البشناق) لكن الصرب قسموهم إلى قسمين معزولين تماما , وتعرضا معا للبطش الصربي وتعرضا للقتل الجماعي والإبادة المتعمدة المسكوت عليها عالميا حتى اضطروا إلى الهجرة فرارا من الذبح على أيدي الصرب الذين قتلوا منهم مئات الألوف في موجات متتالية
فهل يعقل لمن يتعرض لمثل هذه الأخطار والمؤامرات أن يكون بينه وبين أخيه المسلم عداء مستحكما يصل إلى حد التنازع بالسلاح ويقتل بعضهم بعضا ؟!!!
وهل يمكن أن تصل هذه الخلافات لدرجة أنها تتطلب زيارة من وزير الخارجية التركي ليعقد مصالحة بين زعماء ووجهاء من مسلمي السنجق ليعود السلام بين الأشقاء ؟!!!
تركيا تتوسط لحل النزاع بين مسلمي سنجق بصربيا
ففي يوم السبت 12, نوفمبر 2011 زار السيد أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي صربيا وكان من مهامه في هذه الزيارة وساطة رسمية تركية لعقد مصالحة بين مسلمي السنجق لحل هذا النزاع  .
والفاعل المجهول المذكي لهذا الصراع معلوم للكثيرين وهو الطرف المستفيد من خلافهم مع بعضهم البعض ولكنهم دائما ما يتركون الهدف الأولى والعدو المتربص ليشتبك المسلمون في معارك فرعية جانبية لا قيمة لها ويتركون القضية الأهم والأخطر ويتناسون قول الله تعالى " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)

يحدث كل هذا الخلاف والإقليم يتعرض لحملة إبادة ويتم التخطيط له ليل نهار لأنهم لا يتحملون إقليما مسلما بين دول القارة الأوروبية ولهذا يحرمون أهله من ابسط الحقوق مثل التعليم والصحة حتى جعلوا الإقليم متخلفا عن باقي أرجاء صربيا فضلا عن باقي أقاليم وبلدان القارة الأوروبية
فالإقليم في حاجة ماسة إلى توحد المسلمين فيه ويحتاج أيضا إلى معونات مادية وتعليمية وطبية فيحتاج - كما قال الدكتور سليمان أوغلياتين رئيس الحزب الإسلامي بإقليم سنجاق - إلى ثلاث مدارس إسلامية وإلى جامعة إسلامية، و20 مسجدًا ومستوصفا إسلاميًّا , كما يحتاج بالأهم والأخص إلى ضغط عالمي على الصرب لمنح الإقليم حكمًا ذاتيًّا.
فهل يعي المسلمون أنه لا يمكن لأحد أن يتبنى قضيتهم العادلة إذا لم يتبنوها هم أولا بتوحدهم ونبذ الفرقة بينهم والاجتماع على كلمة سواء وترك الأهواء والرغبات الشخصية والتسامي لتحقيق الأهداف العليا لنصرة دينهم ولرفعة شأنهم ولتحقيق مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم من بعدهم ؟
وهل تذهب عنا نيران الاختلاف والفرقة التي تنتج دوما من الأهواء الشخصية وحب الظهور , وهل تذهب بلا عودة تلك النعرات التي ضيعت كل قضايانا الكبيرة منها قبل الصغيرة ؟ !!
مركز التاصيل للدراسات والبحوث

0
أفريقيا .. صراع فكري غاب عنه العرب يحيي البوليني







ما أن وطئت أقدام احمدي نجاد الرئيس الإيراني الأراضي الأفريقية إلا وأعادت تلك الزيارة للأذهان هذه القارة المترامية الأطراف المليئة بالخيرات الطبيعية إلى الظهور - مرة أخرى - كحلبة صراع ومجال لتنافس الكبار على الاستفادة من خيراتها ولإحكام السيطرة على مواردها الكثيرة والمتعددة والمتنوعة والتي لم يستطع أبناؤها حسن استغلالها .
فكما كانت أفريقيا في الماضي حلبة صراع سياسي وعسكري بين الأوروبيين ثم الأمريكان , أضحت اليوم حلبة صراع فكري وسياسي لكل القوي في القارات الأخرى من الصين شرقا إلى الأمريكتين غربا مرورا بالقارة الأوروبية التي يصعب أن تغيب عن المشهد الأفريقي .
وبالطبع لم تغب أفريقيا عن ذهن بعض القوى الأخرى التي تتحرك بأيدلوجيات فكرية بالإضافة للطمع الاقتصادي , والتي تريد بسط هيمنتها الفكرية وتسعى لتكوين الأحلاف الاستراتيجية , ولا يمنعها ذلك أيضا من الاستفادة المادية الكبيرة من أفريقيا كمورد للمواد الخام وكسوق لتصريف المنتجات .
وفي غياب واضح وملموس ومؤلم لأصحاب التوجه الإسلامي السني الذي لا يتحرك غالبا في أفريقيا إلا بجهود فردية غير منظمة ولا منسقة , تحركت القوى الأخرى في ساحة خالية , فمنذ فترة طويلة تحركت دولة الكيان الصهيوني منفردة جاعلة من أفريقيا ملعبا خاصا بها تدبر فيه المكائد وتستغل الثروات وتكسب الصداقات وتوجه الأفكار وتعمل لصالحها بالإضرار بالدول العربية والإسلامية التي ترى إسرائيل أن في قوتهم تهديدا لكيانهم الصهيوني الغاصب والمحتل .
وقبل عدة سنوات بعد الثورة الإيرانية وفي غفلة أيضا من العرب والمسلمين تحركت إيران مستغلة كل ما تملك من خبرات وإمكانات وثروات في التغلغل في العمق الأفريقي دون ارتباط بقيد أو حدود ... كما سبق وأعلن نجاد قبل سنتين في نيويورك أنه لا يرى أي حدود لتوسيع علاقات إيران مع الدول الأفريقية .
وفي العام 2010 فقط تمت هناك أكثر من عشرين زيارة لمسئولين إيرانيين لأفريقيا في مستويات وزارية – على الأقل – وتم فيها عقد الشراكات والتحالفات الدولية والصفقات التجارية والمشاريع الصناعية للربط بينها وبين تلك الدول لضمان وإحكام السيطرة عليها .
وكان من الثمرات الاقتصادية لهذا التعاون إقامة مصنع خودرو الإيراني لتجميع سيارات الأجرة في منطقة قريب تييس بالعاصمة السنغالية داكار , والتعاقد أيضا على تصنيع الجرارات ومصفاة لتكرير النفط ومصنع للمواد الكيميائية كما تم الاتفاق على توريد نفط إيراني للسنغال بأثمان رخيصة , ولهذا دفع ذلك السخاء الإيراني الرئيس السنغالي لزيارة إيران أربع مرات متتالية معلنا حق إيران في امتلاك المفاعل النووي .
وكذلك تمت زيارات متعددة لكل من مالي ونيجريا وموريتانيا والسودان وكينيا وزيمبابوي وجنوب أفريقيا وغيرها في زيارات متتالية من نجاد ووزرائه ليؤكدوا دخول إيران إلى الساحة الأفريقية وبقوة شديدة وبصورة أسرع مما كان يتخيل البعض مستغلين في ذلك المظهر الإسلامي الذي يخدعون به بسطاء المسلمين الذين يرونهم أحق بحسن الاستقبال والتعاون من الدول الأوروبية أو أمريكا وإسرائيل .
وظهر لهذه الزيارات غايات أيدلوجية عقدية وخاصة في التبشير بالمذهب الشيعي , ففي كل خطوة يخطوها الإيرانيون هناك يجدون تربة صالحة لبذر أفكارهم الشيعية الخبيثة التي يدعمها بقوة وجود جماعات متصوفة قائمة على الخرافات والتي تعتبر المقدمة التمهيدية لتحول المسلمين السنة هناك إلى كثافة شيعية , ويزيد الأمر صعوبة أن أفريقيا لا تزال تمتلئ بعبدة للأوثان يتم استقطابهم لمن يوفر لهم الغذاء والكساء والدواء , وإذا دخلوا هؤلاء الوثنيون الإسلام ولم يعلموا عنه سوى المذهب الشيعي فلن يخرجوا عنه أبدا وخاصة أن العقيدة الشيعية فيها الكثير من المظاهر الوثنية وفيها الانفلات الأخلاقي الكثير وخاصة في أمور النساء .
فعل تنتظر الدول العربية السنية أن يخرج عليها مارد شيعي من جنوب القارة الأفريقية ويحاصرون بيه من الشمال والجنوب وهم لا يرقبون في المسلمين السنة إلا ولا ذمة ؟!
أم هل يظنون أنهم لمجرد ما يفعلونه في أوطانهم من إرسال التبرعات العينية والنقدية – وقليل ما هم - أنهم قد أدوا واجباتهم أمام ربهم سبحانه وأنهم قد ساهموا في إنقاذ إخوانهم من خطر التشيع أو التنصير أو التهويد ؟!
وكل الجهود التي تبذل في القارة الأفريقية من الجانب السني المسلم تُبذل في إطار الحملات الإغاثية وهي جهود لا تزال جهود شخصية وقليلة , وأن الخيار الوحيد الحالي في تدخل المسلمين السنة بصورة رسمية دولية ومنظمة وهادفة وواعية يكمن حاليا في الإدارة التركية التي تحاول التقرب من أفريقيا فعقدت مؤتمرا في مدينة اسطنبول للقمة التركية الأفريقية وحضرته قرابة خمسين دولة افريقية لمناقشة أوجه التعاون بينهما والتي أثمرت عن وثيقة للشراكة التركية-الإفريقية والتعاون في مجالات الأمن والسلم، والزراعة والتنمية الريفية، وإدارة الموارد المائية، والمقاولات، والصناعة، والصحة، والبيئة، والطاقة، والنقل، والثقافة والتعليم والتدريب، ووسائل الإعلام والاتصال وغير ذلك من المجالات .
إن أفريقيا التي تمتلك الكثير من الثروات المادية والبشرية تمتلك اليوم أيضا أكثر من 54 صوتا في الأمم المتحدة من إجمالي 154 صوتا , لتعتبر مجالا كبيرا للصراع الثلاثي الجديد ( تركيا – إيران – إسرائيل ) الذي يضاف إلى العديد من الأطراف الأخرى المتصارعة على النفوذ والمكانة في سباق خرج منه اللاعب الأهم والرقم الصعب وهم العرب والمؤسسات الدينية السنية التي لو دخلت ساحة الصراع فلن تجد لها منافسا ..
فهل من متحرك قبل فوات الأوان
مركز التاصيل 

0
ألم يحن أوان وقفة للمسلمين ضد الصين ؟ يحيي البوليني






لم تفت المعاناة الكثيرة والدائمة التي يعانيها شعب الايغور المسلم المقيم بإقليم الشينجيانج على يد أبناء قومية "الهان" الصينية في عضدهم , ولم تكن المذابح المتوالية لشعب أعزل مسالم على يد السلطة الصينية هي أكثر ما يثير شجونهم وأحزانهم , ولكن ما يؤلمهم حقا وما يصيبهم بحسرة وانكسار داخلي هو عدم شعور إخوانهم المسلمين بقضيتهم , وعدم تبنيهم لها , بل وإسقاطهم كشعب وقضية من حسابات إخوانهم على المستويين الرسمي والشعبي الذي يجدونه يهتم بقضايا كثيرة ومنها قضايا الأقليات المسلمة في العالم ويتحدث عنها إعلاميا لكنه ينسى أو يتجاهل قضيتهم , وكأنهم نبات نشأ غريبا في أرضه , غريبا بين أهله لا يريد أن ينسبه أحد إليه .
 بل ما يزيد حسرتهم ويكاد يقتلهم كمدا أن يروا إخوانهم المسلمين يتعاملون مع من أذاقهم الويلات وسامهم سوء العذاب وقتلهم وشرد أبناءهم واغتصب نساءهم , يتعاملون معه تعاملات سياسية واقتصادية وتجارية على أرقى مستوى بحيث يشكلون أكبر سوق لمنتجاته لينتفش باطله وتضيع قضيتهم بأيدي إخوانهم .
فهل يطمع أبناء الايغور المسلمون من إخوانهم في العالم الإسلامي بأن يسلطوا الضوء على الأقل إعلاميا على مآسيهم لعل الدب الصيني يحسب لهبة العرب والمسلمين حسابا فيتعامل مع المسلمين الإيغور تعامل من يخشى غضبة المسلمين عليه اقتصاديا على الأقل ؟
من أعجب العجب أن ترى أن الأقليات في العالم كله تدعمها أغلبياتها حتى لو تركزت في أماكن أخرى في العالم , فيهتمون بقضاياهم ويتجمعون لنصرتهم ويشكلون جماعات ضغط لكي ينال إخوانهم أعظم المكاسب حتى لو لم يكونوا يستحقونها , وليس أدل على ذلك – برغم الوضع المتميز جدا للأقلية النصرانية في مصر – من تشكل جماعات تسمى بجماعات أقباط المهجر للضغط على المستوى الرسمي على أية حكومة مصرية لتمييز الأقلية القبطية في مصر بامتيازات تفوق ما للأغلبية المسلمة , وهكذا في كل مكان في العالم لا تُترك الأقلية وحدها لتقاوم الأغلبية لنيل حقوقها إلا عند بني جلدتنا من المسلمين الذين ينشغلون - في أغلب الأحوال - بقضاياهم ومشكلاتهم الذاتية .
فالشعب الإيغوري المسلم الذي يبلغ تعداده أكثر من أربع أو خمس دول عربية مجتمعة فيبلغ حوالي ثمانية ملايين مسلم والذي يتخذ التركية لغة والإسلام دينا بأغلبية سنية وقلة ضئيلة إسماعيلية , والذي يمتد الإسلام فيهم لما يزيد عن خمسمائة عام خلت قبل أن يلتهم الدب الصيني دولتهم التي كانت تسمى تركستان الشرقية , هذا الشعب الذي يخضع لعملية منظمة لإبادتهم من قبل أبناء قومية الهان ذات الأغلبية في الصين والتي لا تريد بقاء هذه القومية الإسلامية بينهم وسط تعتيم إعلامي شديد من وسائل الإعلام الصينية والعالمية وإهمال وتقصير شديد من الإعلام العربي والإسلامي .
ويتبع الدب الصيني مع مسلمي الإيغور نفس السياسة التي يتبعها اليهود في فلسطين بتغيير التركيبة السكانية لمدينة القدس بشراء الأراضي وتوطين اليهود فيها لتقل نسبة المسلمين وتزيد نسبة اليهود , فبدأ الدب الصيني في فتح مجالات أوسع لأبناء قومية الهان للنزوح إلى شينجيانج وإعطائهم امتيازات كثيرة ومتنوعة لاغرائهم بالبقاء فيها مع مصادرة أراضي المسلمين وممتلكاتهم لأي سبب مع منحها للمحتلين المغتصبين بمساعدة الدولة الصينية , ويزيد الأمر بالتدخل العسكري والشرطي الشديد في حدوث أية خلافات لنصرة أبناء الهان على المسلمين والقيام بمذابح متعددة ومتكررة بدعوي فض الاشتباكات , وقد اثبت ذلك بعدة وسائل عن طريق منظمات حقوقية ووسائل إعلام عالمية .
ففي شهر أغسطس الحالي ، كتبت صحيفة "تشاينا ديلي" الصينية أن بكين أرسلت وحدات خاصة من قوات مكافحة الإرهاب تسمى "فهود الثلوج إلى إقليم شينجيانج وستكون مهمتها تنفيذ ما يسمى بعمليات ضد "الإرهاب والمتطرفين الدينيين" في تلميح بقيام تلك الوحدات بأكبر عملية إبادة مستطاعة ضد المسلمين الإيغور وذلك بعد اتهام الحكومة الصينية المحلية في شينجيانج لـ "متشددين إسلاميين تدربوا في معسكرات إرهابية خارج الصين بالقيام بما أسموه بعمليات تخريبية " , والغريب أن الصينيين يرددون ذات الألفاظ التي تستخدمها دكتاتوريات في العالمين العربي والإسلامي في حديثهم عن المطالبين بحرياتهم , ولعل هذا سبب هذا الصمت المطبق عن أفعال الصينيين مع مسلمي الإيغور !!!
وأعاد هذا التصريح من الصحيفة الصينية لأذهان الايغوريين المسلمين أحداث مذابح عام 2009 التي راح ضحيتها أكثر من 156 قتيلا وأصيب أكثر من ألف آخرين بجروح وتم بعدها اعتقال 1434 مسلما .
وتزداد مخاوف مسلمي الإيغور من وقوع أشد وأصعب الأحداث عليهم - في غفلة للمسلمين - بعد التهديد والوعيد الصريح الذي أطلقه زعيم الحزب الشيوعي في الإقليم "تشانج تشون شيان " في كلمة لأعضاء الحزب الشيوعي والتي دعا فيها إلى قمع من أسماهم بـ "الإرهابيين والمتطرفين الدينيين" مضيفا :" حتى يتسنى لنا كبح جماح الموجة الحالية من الممارسات الإرهابية العنيفة، علينا أن نركز بشدة على قمع الإرهابيين والأنشطة الدينية غير المشروعة والتركيز على حفظ الاستقرار"
فهل سيتركهم المسلمون لقمة سائغة يلتهمهم الدب الصيني أم سيتحركون وفق مبادئ ديننا الذي يؤكد نبينا صلى الله عليه وسلم على لحمة المسلمين وكونهم كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر ؟
وهل لا تستحق قضيتهم تفعيلا لها وضغطا على حكومة لا تعترف إلا بالمال وتعلم أن بإمكان العرب والمسلمين نصرة إخوانهم بمقاطعتهم للبضائع الصينية ولو لفترة من الوقت ؟.
أعتقد أننا نملك كمسلمين طرقا كثيرة وبدائل متنوعة لكي ينال إخواننا المسلمون هناك أبسط حقوقهم التي كفلتها كل الشرائع والدساتير وهو حق الحياة الآمنة .
 

0
الأقليات المسلمة في كندا.. وجود يحتاج إلى فاعلية علا محمد سامي


الأقليات المسلمة في كندا.. وجود يحتاج إلى فاعلية
علا محمد سامي 


على الرغم من تسليط الأضواء الإعلامية على أوضاع الأقليات المسلمة في أمريكا الشمالية على الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن هناك تغييبا أو تجاهلا - لعدم إدراك ربما، أو قد يكون تجاهلا - لأوضاع المسلمين في كندا، والذين يعتبرون جزءا أصيلا من جغرافية القارة الشمالية، لما لهم من وجود تاريخي في هذه البلاد، بشكل لا يقل عن الوجود الإسلامي في أمريكا، على سبيل المثال.

إلا أنه على الرغم من هذا الوجود التاريخي، فان حالهم لا يقل بحال عن أوضاع نظراء لهم في دول العالم، ومنها الولايات المتحدة، أو بالأصح بلاد الهجرة، والتي لا ينسى معها المهاجرون من العرب والمسلمين حمل خلافات دولهم، وتباينات مذاهبهم، فتظهر بينهم روح الخلاف قوية بشكل قد يفوق بلد المنشأ ذاته.

وعلى الرغم من الترحيب الحذر الذي تبديه دوائر صنع القرار في كندا للتعدد الديني والثقافي وتشجيعه، إلا أن مخاوفهم من الجاليات المسلمة يفوق المخاوف التي تنتابهم من الجاليات الأخرى، وخاصة اليهودية، التي يرحب بها للغاية.

ولذلك فكثيرا ما يعلن الساسة الكنديون ولاءهم ودعمهم المطلق لدولة الاحتلال في فلسطين، بل وكثيرا ما صرحوا بأن هذا الدعم غير مرهون بتقدم عملية التسوية أو تعثرها، "المهم هو دعم كندا المطلق والدائم لإسرائيل، وأن أمن إسرائيل من أمن كندا".

هكذا كانت تصريحات سابقة لرئيس وزراء كندا تجاه دولة الاحتلال، وهو ما ينعكس على الدعم الذي يقابل للجالية اليهودية في كندا، للدرجة التي لا يجعلها أقلية، بل جالية منظمة تستهدف تحقيق أغرض نفعية لصالح الدولة العبرية، ولذلك تبدو سيطرتهم شبه كاملة على الاقتصاد والإعلام في كندا.

الخوف من الإسلام:
لذلك لا تأخذ المرء الدهشة جراء هذا الدعم، في الوقت الذي تثير فيه التجمعات الإسلامية ريبة الكنديين، للدرجة التي قد تنعكس على شعائرهم، في ظل ما يوصف بـ"الإسلاموفوبيا"، أي الخوف من الإسلام، وهى حالة الهلع التي أصبحت تنتاب الغرب، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة في نيويورك في العام 2001.

ولا أدل على ذلك من الشعار الذي بدأ يتم رفعه في الدولة الحدودية للولايات المتحدة - على سبيل المثال-  وهو أن النقاب لا هو مرحب به ولا هو محظور.

هذا الشعار وغيره من الشعارات التي تعكس تخوفا من الإسلام، كثيرا ما يكون مقدمة لإجراءات تستهدف المسلمين في بلاد الهجرة، كما حدث أخيرا من الحملة السويسرية على المآذن، والتي استبقتها حملة ضد المآذن والنقاب، عن طريق لصق لافتات على وسائل المواصلات وفي الشوارع وأماكن التجمعات، بهدف التعبئة ضد الأقليات المسلمة، كمقدمة لاستفتاء وافق فيه 57% على منع إقامة المآذن بالمدن السويسرية.

ولذلك فانه ومنذ الأحداث الشهيرة (سبتمبر) بدأ الكنديون ينظرون إلى كل مسلم بعين الارتياب، ومجرد أن يحمل الشخص اسما إسلاميا فإن ذلك يعتبر كافيا للاشتباه به، وحتى أولئك المسلمين الذين تأثروا بالمجتمعات الغربية وتبنوا ثقافة الغرب يجدون أنهم ليسوا بمعزل عن هذه المضايقات والتفرقة بسبب أسمائهم الإسلامية.

ونتيجة لهذه المضايقات ارتفعت معدلات البطالة بين المهاجرين المسلمين إلى مستويات غير مسبوقة، وتفيد إحصاءات ليست رسمية أن حوالي 75% من المهاجرين المسلمين لا يستطيعون الحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم الأكاديمية، التي يفدون بها إلى كندا، نتيجة هذه المضايقات، والتي لمسها موقع (المسلم) في زيارته لهذه البلاد.

ولذلك يعمل أصحاب هذه المؤهلات في وظائف هامشية، مثل عمال نظافة أو أفراد أمن أو عمال في مطاعم، إلى غير ذلك من الوظائف غير المؤثرة في المجتمع.

كما تتعرض بعض الجاليات المسلمة إلى تفرقة وتمييز مبني على أسباب دينية، فيما سبق أن تعرضت العديد من المساجد لاعتداءات بعد سبتمبر 2001م، وبالرغم من انحسار موجة الاعتداءات إلا أن معدلات التمييز ضد المسلمين ما زالت قائمة، وان تباينت من وقت لآخر، إلا أنها قائمة في كل الأحوال، نتيجة "الإسلاموفوبيا".

وتساهم وسائل الإعلام في ترسيخ تلك العنصرية باستمرارها في نشر الكتابات المسيئة للدين الإسلامي للدرجة التي أصبح فيها المسلمون يخشون على أنفسهم وممتلكاتهم.

لذلك تذهب بعض آراء المحللين إلى إن الأجواء السياسية في الولايات المتحدة وكندا ربما تساهم في حدوث مجازر جديدة ضد المسلمين.

غياب التنظيم:
وعلى الرغم من حالة العداء المستترة للأقليات المسلمة في كندا، إلا أن الجاليات المسلمة والعربية فيها لا يقابلونها بحالة من التنظيم أو الإعداد لتصحيح الصورة في ظل انشغالهم الدائم بنقل مشاكل بلادهم إلى مواطن الهجرة، وهو ما يعتبر آفة خطيرة تصيب المهاجرين المسلمين، ولما لذلك من انعكاسات على الجيل الثاني لهم.

وربما يرجع ذلك إلى أن هذه الجاليات ليست كبيرة العدد، وإن كان هذا التنظيم لا يرتبط بالعدد، بقدر ما يحتاج إلى إرادة وعزيمة وفاعلية في تصحيح الصورة، والتحرك بشكل منظم للدفاع عن حقوقهم، وتشكيل رأي عام داخل المجتمع الكندي، يذيب معه حجم الدعايات المناهضة من الإسلام ومنهم على وجه الخصوص.

وعلى الرغم من أن كندا ثاني دول العالم مساحة بعد روسيا، حيث تقتسم مع الولايات المتحدة قارة أمريكا الشمالية، إلا أن أعداد المسلمين فيها صغيرة العدد، على الرغم من محاولات البعض منهم إثبات هويتهم متخذين من المساجد والمدارس الإسلامية والجمعيات  واتحاد الجمعيات مرتكزات لحماية وجودهم، إلا أنهم يغفلون في الوقت ذاته الإعلام والاقتصاد، كما تفعل الجاليات اليهودية، ولذلك يغيب عنهم الدور الأبرز، وهو الأكثر فاعلية والمتعلق بخلق رأي عام لأوضاعهم، وأهمية وجودهم والانخراط في داخل المجتمع الكندي.

وللآسف الشديد فقد فهم بعض المسلمين هناك هذا الانخراط، بدمج الجيل الثاني في أوساط الكنديين، فنقلوا عنهم سلوكيات لا تخالف فقط الروح الإسلامية والفطرة، بل انخرطوا في سلوكيات بالية، لا تمت إلى العادات العربية أو الشريعة الإسلامية بصلة.

تاريخ الوجود الإسلامي:
وتشير تقديرات كندية إلى المناطق التي هاجر منها المسلمون في الربع الأول من القرن الماضي، فمن البلاد العربية وغرب آسيا قدم 97 ألفا، ومن جنوب آسيا هاجر 91 ألفا، ومن البلاد الأفريقية 12 ألفا ومن جنوب أوربا 4 آلاف نسمة، بينهم 300 من البلقان.

يضاف إليهم آلاف المهاجرين نتيجة لمذابح البوسنة والحرب في الجمهوريات التي كانت تتكون من يوغسلافيا إضافة إلى مهاجرين من الصين والفلبين وبلاد أخرى في شرق آسيا وجنوبها الشرقي.

وحمل هؤلاء جميعا معهم العقيدة الإسلامية المشتركة مغلفة في ثقافات متعددة إلى بلد يقوم أساسا على تعدد الثقافات المهاجرة، وهذا وضع تختلف فيه الأقلية المسلمة في كندا عن الأقلية المسلمة في الولايات المتحدة.

وتنوعت الهجرات القديمة لكندا إلى مدينة "ادمونتون" بمقاطعة "ألبرتا" و"لندن" بمقاطعة "أنتاريو" علاوة على "مونتريال" و"تورنتو"، وهى إحدى مدن مقاطعة "اونتاريو".

أما الهجرة الحديثة فقد نشطت منذ الستينات، وهاجر إلى كندا شباب على مستوى الثقافة والتعليم فتحت أمامهم الأبواب وأعانهم على تنظيم أنفسهم تكوين مجتمع إسلامي متعدد الكفاءات، إضافة إلى هجرة أحدث منذ أواخر الثمانينات جاءت إلى كندا بمسلمين على قدر من الثراء النسبي.

ويعد أقدم تنظيم إسلامي في كندا هو المركز الإسلامي الكندي الذي أنشأه المهاجرون اللبنانيون الأوائل في مقاطعة " ألبرتا " في أواخر العشرينات، فيما كان أول مسجد في كندا هو مسجد "الرشيد" الذي أنشئ في العام 1938 في مدينة "أدمونتون" عاصمة مقاطعة "ألبرتا".

ومن أبرز مجالات العمل الإسلامي القائم هناك – والذي يحتاج الى تفعيل- يأتي الكونجرس  الإسلامي الذي أنشئ عام 1995م، وأصبح مسجلا لدى الحكومة الكندية في العام 1998، وهو أشبه باتحاد للمسلمين المقدر عددهم بنحو مليون مسلم من جملة عدد السكان الذي يزيد عن  30 مليون نسمة.

إلا أن هذا الكونجرس يقتصر عمله على المجال المحلي فقط فيما يتعلق بالمساجد والمدارس والمقابر، دون أن تكون له فاعلية في العمل السياسي أو الاقتصادي، على نحو ما تفعل الجاليات الأخرى، وتحديدا اليهودية منها.

وعلى الرغم من تنظيم  المهاجرين المسلمين لأنفسهم في أوائل السبعينات- باتفاق الجمعيات الإسلامية في مختلف المقاطعات على تكوين مجلس الجماعات الإسلامية في كندا توحيدا للصفوف – إلا أن هذا التنظيم لم يتم المحافظة عليه، لخلافات مذهبية وجنسية.

ولذلك فان إحياء هذا العمل وغيره أصبح مطلوبا أكثر من أي وقت مضى،واستثمار ترحيب كندا بالتعدد الثقافي للمهاجرين إليها، خاصة وأن هناك اعتراف بالدين الإسلامي منذ العام 1973، وبعدما أصبح الدين من مقررات الدراسة مع الديانات الأخرى لطلبة المرحلة الثانوية.

المصدر : موقع المسلم




0
الأقليات المسلمة في أوروبا ودلالاتها بيتر شورد فان كونتكسفيلد

الأقليات المسلمة في أوروبا ودلالاتها
بيتر شورد فان كونتكسفيلد  

نقلها إلى العربية: محمود الصيفي

المرجعيات الدينية والفتاوى الصادرة عنها:
يعد التعامل مع الاستفسارات التي يطرحها جمهور المسلمين والإجابة عليها - بشكل يومي - أحد المهام الأساسية المنوطة بإمام المسجد في أوروبا، إذ يعتبر الإمام مرشداً دينياً وليس إمام محراب فحسب، وفي غالب الأحيان يكون الإمام مؤهلاً للإجابة بشكل مباشر على تلك التساؤلات اعتماداً على رصيده من العلم الشرعي. إلا أنه (أي الإمام) يحتاج في أحيان أخرى إلى مطالعة بعض المراجع والكتب الثقات من وجهة نظره وذلك حسب التوجه الذي ينتمي إليه.

ولقد أوضح لي عدد من الأئمة المغاربة والأتراك المقيمين بهولندا أن إجاباتهم على تلك الأسئلة تعتبر فتاوى شرعية عند من يوجه السؤال، إلا أن تلك الفتاوى تتسم بالتقليد: ففي إطار نقل الفتوى يلتزم هؤلاء الأئمة برأي غيرهم من العلماء الذين يتمتعون بمرتبة علمية أعلى أو الذين وصلوا إلى درجة الاجتهاد على سبيل المثال، سواء كان أولئك العلماء من الأئمة الأعلام السابقين الذين تركوا آراءهم مسطورة في مؤلفاتهم، أو كانوا علماء معاصرين أو هيئات علمية، وهؤلاء عادة ما يرسلون إجابتهم مكتوبة إلى الأئمة.

في غالب الأحيان يصعب أن تترك الفتاوى الشفهية أي أثر ملحوظ على المستوى العام، ولذا فإن بعض الأئمة يفضلون الاحتفاظ كتابة بمجموعة منتقاة - على الأقل - من الأسئلة التي ترد إليهم مرفقة مع الأجوبة التي صدرت عنهم رداً عليها، ثم يقومون لا حقا بطباعة بعض تلك الفتاوى على شكل مطويات مثلاً و أحياناً على شكل كتب، وذلك لقناعتهم بأن تلك الفتاوى ستلقى صدى أوسع وجمهوراً أعرض في أوساط المسلمين حال نشرها بهذه الصورة.

وأسوق لذلك مثالين: أولهما مطوية صدرت عن أحد الأئمة في مدينة أمستردام - محمود الشرشابى نبه فيها المسلمون إلى ضرورة الامتناع عن المشاركة في الاحتفالات بأعياد النصارى ونشرت عام 1999، والمثال الثاني مجموعة الفتاوى التي أصدرها الشيخ خليل المؤمنى أحد أئمة مدينة روتردام ونشرت 1998، وتجدر الإشارة إلى أن كلا الإصدارين كان باللغة العربية إلا أن الشيخ المؤمنى يقوم حالياً بالإعداد لإصدار ترجمة باللغة الهولندي للفتاوى المتعلقة بالواقع الأوروبي مع زيادات وإضافات حديثة لم تنشر من قبل.

ورغم ذلك فمن المعلوم أن هناك العديد من الاستفسارات التي ترد إلى الأئمة لا يستطيعون التوصل فيها إلى إجابة شافيه، وفي هذه الحالة يتوجهون بتلك الأسئلة إلى مرجعية أعلى آملين في الحصول على الإجابة الصواب، ويقومون من ثمَّ بنقلها إلى المستفتين، وإضافة لما سبق، نلحظ أن المستفتى في عصرنا هذا الذي يتميز بوفرة وسائل الإعلام كالتلفاز والإنترنت -  قد يجد طريقه إلى تلك المرجعيات الدينية العليا مباشرة ودون اللجوء إلى الإمام.

فما هي إذن تلك المرجعيات الدينية العليا؟
أرى أنه من المناسب بشكل عام والمفيد في تحليلنا للظاهرة التي نحن بصددها، أن نميز بين المرجعيات الدينية المتواجدة داخل أوروبا من ناحية وبين تلك المتواجدة خارجها - في العالم الإسلامي على وجه الخصوص - من ناحية أخرى، إلا أن هناك صنفا ثالثا من المرجعيات الدينية استطاع أن يتجاوزوا هذا التقسيم، بأن جمع بين علماء من أوروبا وآخرين من العالم الإسلامي ووحدهم تحت مظلة هيئة واحدة، بيد أن التقسيم الجغرافي لتلك المرجعيات الدينية التي تتعامل مع المسلمين في أوروبا لا يعد كافيا - وخصوصا في عصر العولمة الحالي، فسيل الفتاوى الموجودة على شبكة الإنترنت يجب أن يؤخذ كذلك بعين الاعتبار.

المرجعيات الدينية داخل أوروبا:
إننا نتعامل ضمن هذا التصنيف مع ثلاث مجموعات مختلفة من العلماء، فيأتي في المقام الأول العلماء الموفدون إلى أوروبا من قبل حكومات البلدان الإسلامية أو المؤسسات الإسلامية الدولية ذات الطابع الرسمي. فعلى سبيل المثال نجد أن المفتين المتواجدين بالسفارات التركية في البلدان الأوروبية التي تقيم بها جاليات تركية، قد تم إيفادهم من قبل الحكومة لتوجيه الأئمة الأتراك العاملين في تلك البلدان ولإرشاد جمهور تلك الجاليات.

ثانياً: يوجد في مختلف العواصم الأوروبية والمدن الرئيسية العديد من المساجد الكبرى التي تضم معاهد ثقافية أو إسلامية ملحقة بها، وهذه المساجد تدعمها عادة دول إسلامية معينة أو هيئات إسلامية دولية كرابطة العالم الإسلامي، ويكون القائمون على أمر تلك المساجد والمعاهد ممثلين دبلوماسيين لدول إسلامية وثيقة الصلة بتلك الهيئات، كما يتم أيضا إيفاد العلماء إليها للعمل في مجال الدعوة و التوعية الدينية.

ومثال ذلك الشيخ عبد العزيز بن الصديق أحد علماء المغرب والذي عين من قِبَل الحكومة المغربية في المعهد الإسلامي التابع للمسجد الكبير في بروكسل حيث كان هذا العالم مرجعا يستشيره معظم الأئمة المغاربة في كل من هولندا وبلجيكا، ولقد أصدر بالاشتراك مع غيره من العلماء أحد الفتاوى الهامة والتي كانت تؤيد الرأي القائل بجواز إقامة المسلمين في أوروبا باعتبارها دار سلام، في ذات الوقت الذي كان فيه علماء الجزائر يدعون رعاياهم في فرنسا إلى مغادرتها فوراً لأنها دار حرب ويجب على المقيمين فيها من المسلمين أن يهاجروا إلى ديار الإسلام.

وهناك نموذج آخر لأحد علماء مصر وهو الدكتور سيد متولى الدرش الذي تخرج من جامعة الأزهر بالقاهرة، وعمل لعدة سنوات إماماً بمسجد ريجنتس بارك في لندن والمركز الثقافي التابع له، وهو أيضا رئيس المجلس الشرعي في المملكة المتحدة، وأمين الوكالة الإسلامية الدولية للإغاثة، وقد نشر له مؤخراً كتاب يضم مجموعة من أعمدته الصحفية نصف الشهرية التي كان يكتبها تحت عنوان: "الإسلام سؤال و جواب" في أحد الصحف الإسلامية الأسبوعية المسماة "News International-Q" والتي تصدر باللغة الإنجليزية، وهذا الكتاب يتناول العديد من القضايا التي تهم المسلمين في أوروبا تحديداً.

ثم يأتي في المقام الثاني العديد من المرجعيات الدينية الموجودة في أوروبا والذين يمارسون نشاطهم أساساً بشكل مستقل عن حكومات البلدان الإسلامية، ولتوضيح ذلك أسوق بعض النماذج من المملكة المتحدة وفرنسا و ألمانيا ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال نجد بين المسلمين الهنود والباكستانيين العديد من العلماء الذين ينتمون إلى المدرسة الفقهية الديوبندية أو البريلاوية يتم التعامل معهم بشكل أو بأخر باعتبارهم أهل الفتيا - لكن على نحو خاص، فقد يكون لهم أحياناً ارتباط بمجامع فقهية أنشأوها بأنفسهم أو أنشئت من أجلهم[1]. ومن الملاحظ أنهم نشطاء في إصدار الفتاوى سواء كانت مكتوبة أو شفهية وقد تنشر لهم بشكل غير منتظم مجموعات من الفتاوى الهامة، كـ "دليل طعام المسلم" مثلاً الذي يصدره المفتى يوسف ساشاس من حين لآخر في طبعات مزيدة ومنقحة لتقديم النصائح و الإجابة على التساؤلات المتعلقة بكافة أنواع الأطعمة المتوافرة بالسوق الإنجليزية.

أما عمر بكري محمد -  السوري الأصل - مدير كلية الشريعة في لندن والعضو النشط في حزب التحرير فإنه يقدم في كتابه "Fiqh Essential - مبادئ الفقه الأساسية" حكم الإسلام في عدد من القضايا العامة التي يواجهها الجيل الحالي من المسلمين و خصوصاً المقيمين منهم في الغرب.

هناك أيضاً الشيخ عبد القادر المرابط (إيان دالاس سابقاً) الذي يندرج تحت هذا الصنف من المرجعيات الدينية غير الرسمية أو غير المدعومة حكومياً، حيث أصدر سلسلة من الفتاوى التي تتسم صراحة بالتشدد، والشيخ المرابط هو رئيس حركة المرابطين العالمية حيث مقرها في إنجلترا وهى تتشكل أساساً من معتنقي الإسلام، ولفترة ما كان لتلك الحركة مركزاً للنشر في غرناطة باسم "دار الإفتاء" صدرت عنه العديد من الفتاوى أيضاً.

وفي فرنسا نلحظ صراعاً بين تيارين حول إيجاد "مرجعية دينية" فهناك الاتجاه الإسلامي من ناحية والاتجاه العلماني - الجمهوري من ناحية ثانية. ويتمثل الاتجاه الإسلامي في "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية" في شاتيو - شينون والذي أسسه "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (uon) عام 1992 بالتعاون مع "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" بألمانيا. وتعتبر"مادة الفتاوى" أو "المبادئ الأساسية للإرشاد الديني" أحد عناصر المنهج الدراسي لإعداد الأئمة والمدرسين الشرعيين بالمعهد. وتخصص تلك المادة لدراسة "عملية الإفتاء" من حيث مصادر الفتوى وأساليب صياغتها ونماذجها. وقبل أن يبدأ الطلاب في دراسة الفتاوى الهامة لعلماء من العالم العربي تتعلق بقضايا معاصرة ومتنوعة، يجب أن يتعلموا خصائص الفتوى و المؤهلات والأدوات اللازمة لممارسة الإفتاء[2].

أما المعهد الإسلامي التابع لمسجد باريس فإنه يعتبر المنافس الأساسي لما له من روابط تاريخية وسياسية وثيقة مع الحكومة الفرنسية، وتشكل المادة رقم 22 من" ميثاق الكتلة الإسلامية في فرنسا "- والذي تقدم به رئيس المعهد عام 1995 - جزءاً من البند الثالث الخاص بـ "نظام المؤسسات النيابية". حيث تنص على أن "يتم تشكيل اتحاد للأئمة - على مستوى كل إقليم (من فرنسا) - يترأسه مفتي إقليمي أو أسنّهم وأكثرهم خبرة وكفاءة في حالة غياب الرئيس، ليكون هذا الإتحاد أداة التواصل والتنسيق[3].

وأحد هؤلاء المفتين هو صهيب بن شيخ الذي قدم نفسه باسم "مفتي مرسيليا" وذلك على غلاف كتابه "الإسلام في فرنسا العلمانية"، وقد درس ابن شيخ في المعهد الإسلامي بالجزائر العاصمة وكذلك في الأزهر، وسرعان ما نال درجة الدكتوراه في العلوم الدينية من Ecole Etudes Partique des Hautes في باريس. ولقد تعهد ابن شيخ في كتابه Marianne et Islam أن يبرهن على وجود انسجام تام بين الإسلام والعلمانية الفرنسية، حيث انتقد المفارقة الزمنية في النظريات الإسلامية كما انتقد الفوضوية التي تسود مجال الإمامة في فرنسا، ودعا إلى إيجاد ما أسماه بـ  "الإسلام الجمهوري" كما طالب بالسماح بإعداد الأئمة في فرنسا[4]. لكن من المؤكد أنه لا يوجد اعتراف بهذه الهيكلية التي نص عليها الميثاق - عند قطاع عريض داخل أوساط المسلمين في فرنسا بشكل عام.

وكذلك الحال في ألمانيا بالنسبة لاقتراح تقدم به مجلس "إسلام رات" "Isalamrat" عام 1993 بخصوص لقب "Sheikhulislam" أو "شيخ الإسلام".

حيث كان الهدف من تلك المحاولة هو إنشاء مرجعية دينية تتحدث باسم عموم المسلمين في ألمانيا، ومن ثمَّ تقوم تلك المرجعية - باعتبارها تلعب دور المفتي الفعلي لألمانيا - بصياغة فتاوى تتعلق بالقضايا الحياتية للمسلمين في ذلك البلد. لكن هذه المحاولة هي الأخرى باءت بالفشل إذ لم تحظ بالاعتراف المطلوب على المستوى العام للمسلمين[5].

إلا أن هذه الخطوة في ألمانيا تحديداً - لإحياء منصب"شيخ الإسلام" - الذي أنشأه العثمانيون - تعتبر خطوة استراتيجية لاستعادة التوازن وخصوصاً بعد مطالبة - الراحل - كمال الدين كايلان بتلقيب نفسه بـ "الخليفة" فضلاً عن "شيخ الإسلام" وكان ذلك بعد انشقاقه عن جماعة "الميلى جوروش" وتأسيس حركته التي كان لها أنصار في ألمانيا و هولندا.

وحقيقة تعتبر اليونان هي الدولة الوحيدة ضمن الإتحاد الأوروبي التي توجد بها قاعدة عريضة من المفتين، وبغض النظر عن أهليتهم لتعاطى مع المسائل الشرعية الدقيقة ومراقبتهم لإدارة ممتلكات الأوقاف - فإنهم يمارسون سلطتهم القضائية على المسلمين فيما يتعلق بأمور الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والوصايا الإسلامية[6].

من الملاحظ أن بعض المرجعيات الدينية المتواجدة في أوروبا ربما يوجهون جهدهم بشكل أساسي إلى جمهور المسلمين في بلد أوروبي معين، كما هو الحال مع محمد رسول الذي ينصب اهتمامه على المسلمين في ألمانيا، ويبدو ذلك جلياً على سبيل المثال من خلال كتابه المتعدد الأجزاء "مفتي ألمانيا" "[7]Der Deutsche Mufti"  وعلى نفس النمط نجد ابن شيخ مفتي مرسيليا المذكور آنفاً، إذ من الواضح أنه يوجه نشاطه إلى المسلمين في فرنسا تحديداً.

وإضافة لما سبق أود أن أوضح أن بين المرجعيات الدينية في أوروبا من ينصب نشاطهم على شريحة أو جنسية معينة من بين المسلمين: كالمغاربة أو الأتراك مثلاً، بغض النظر عن كونهم يعيشون في بلد أوروبي واحد أو أكثر. ففتاوى الشيخ خليل المؤمنى - وهو مغربي يعيش في مدينة روتردام - لا يقتصر تداولها على المسلمين المغاربة في هولندا وحدهم، بل تجدها منتشرة بينهم على نطاق عدة بلدان أوروبية مثل بلجيكا وفرنسا.

المرجعيات الدينية خارج أوروبا:
فيما يتعلق بالمرجعيات الدينية خارج أوروبا، يجب أن نفرق من ناحية بين المؤسسات والتي تكون عادة مراكز تعليمية إسلامية تابعة للسلطة، وبين العلماء المستقلين من ناحية أخرى. فعلى سبيل المثال يندرج تحت الفئة الأولى" دار الإفتاء" بالرياض (المملكة العربية السعودية)، و"ديانة" بأنقرة (تركيا)، و "مجمع البحوث الإسلامية" التابع للأزهر بالقاهرة (مصر)، و "المجمع الفقهي" التابع لرابطة العالم الإسلامي، و "المجمع الفقهي" التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي وكلاهما بمكة المكرمة (المملكة العربية السعودية). وأود أن أؤكد على أن القائمة مازالت طويلة إذ لابد أن ندرك أننا نتحدث أيضا عن العديد من المؤسسات و المراكز المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي والتي ينهمر منها جميعاً سيل الفتاوى على المسلمين في أوروبا، حيث توجد تلك الفتاوى متفرقة في الصحف و الدوريات التي تصدر عن تلك المؤسسات.

وحقيقة لم أجد نموذجاً للعلماء المستقلين أفضل من الشيخ يوسف القرضاوي، والذي يحظى برنامجه التليفزيوني الأسبوعي -  الذي يبث من قطر - بشعبية كاسحة بين المسلمين الذين يتحدثون العربية في أوروبا. فالشيخ القرضاوي من خلال فتاواه المباشرة أثناء البرنامج وردوده على الأسئلة التي ترد له عبر الهاتف من كافة أنحاء العالم، وكذلك من خلال مؤلفاته وموقعه على شبكة الإنترنت - يلعب دوراً هاماً ومحورياً في تطوير و دعم الوجود الإسلامي في المهجر. والشيخ القرضاوي واحد من العلماء الذي يترددون على أوروبا بشكل متكرر طلباً لاستشارته واستعانة برأيه. كما حدث عندما دعى مع غيره من العلماء إلى المؤتمر الفقهي الذي عقد في شانيو شينون بفرنسا في عام 1992 لمناقشة القوانين الأوروبية في ضوء مبادئ الشريعة الإسلامية[8].

ونجد كذلك الشيخ فيصل مولوى مستشار المجلس السني الأعلى في بيروت، والذي كان يلقي محاضراته على نحو منتظم في فرنسا، ولفتاوى الشيخ مولوى صدى واسع في أوساط في الجيل الجديد من أبناء المسلمين في كل من فرنسا و ألمانيا، وخصوصاً دراسته حول "علاقة المسلمين بغير المسلمين"[9].

مجامع الإفتاء الدولية:
فضلاً عن إنشاء المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في فرنسا، فقد قام اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا - السالف الذكر بتأسيس مجلس أوروبى للإفتاء والبحوث وذلك عام 1997، ويضم ذلك المجلس نخبة من العلماء الذين يتصدون للفتوى في أوروبا إلى جوار عدد من العلماء الذين يعيشون داخل الوطن الإسلامي، ويهدف المجلس بالأساس إلى محاولة توحيد الرؤى الفقهية فيما يتعلق بحياة المسلمين في هذه الديار ما أمكن، ومنع البلبلة والصراع الفكري، ويتحقق ذلك عن طريق التشاور والبحث المشترك والاجتهاد الجماعي الذي أصبح اليوم ضرورة - بل فريضة.

ويرجى لهذا المجلس أن يكون "مرجعية دينية معتمدة" لدى السلطات المحلية في كل بلد، مما يقوى - حسب رؤية المجلس - شأن الجاليات الإسلامية ويشد من أزرها، ولا يقصد بهذا المجلس أن يكون منافساً أو بديلاً للمجامع الإسلامية الأصلية والكبيرة داخل العالم الإسلامي، بل هو مكمل لعملها في هذا الميدان الذي عنى به وتخصص فيه وهو (فقه الأقليات) ومن يعيش خارج ديار الإسلام، ولهذا فمقر المجلس حالياً في جمهورية أيرلندا.

ومن الجدير بالذكر أننا نتعامل في هذا الصدد مع مجلس سنى، فهو يعتمد في إصدار الفتوى على مصادر التشريع الإسلامي وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس، ويتبين ذلك أيضاً من خلال أسماء أعضائه إذ أنهم بالكلية من السنة. ويعتبر المجلس المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها من مذاهب أهل العلم ثروة فقهية عظيمة ويختار منها ما صح دليله وظهرت مصلحته، مع مراعاة مقاصد الشريعة، وبهذا يتضح أن المجلس ينتمي إلى التيار الإصلاحي.

ويترأس المجلس الدكتور يوسف القرضاوي، أما نائب الرئيس فهو الشيخ فيصل مولوى، ويضم المجلس ثمانية وعشرين عضواً آخرين منهم ستة أعضاء من إنجلترا وأربعة من فرنسا وثلاثة من ألمانيا واثنان من السعودية واثنان من السودان وعضو واحد من كل من أيرلندا وألبانيا و أسبانيا وموريتانيا والنرويج والإمارات العربية والدنمارك وبلجيكا والبوسنة وبلغاريا وسويسرا.

وقد عقد المجلس الدورات الثلاث الأولى على الترتيب في سراييفو عاصمة البوسنة عام 1997، ودبلن عاصمة أيرلندا 1998، ثم عقدت الدورة الثالثة في مدينة كولون بألمانيا عام 1999، وقد أسس المجلس لجنتين فرعيتين للفتوى أحدهما في فرنسا.

وقد أصاب فاردنبرج حين ذكر عام 2000 في دراسته حول: "الإسلام في أوروبا حسب مصادرة الأصيلة" - "Normative Islam in Europe" أنه "قد تم نشر الأسئلة التي يطرحها المسلمون على المرجعيات الدينية لديهم وخصوصاً تلك التي تتعلق بالوسائل المعينة على تهيئة حياتهم بشكل صحيح وفقاً لتعاليم دينهم، كما نشرت أيضاً الأسئلة التي صدرت فتاوى رسمية للإجابة عليها. ويتنوع البحث في هذا الشأن حسب طبيعة المجتمعات الإسلامية المعنية، والإطار الذي تعيش فيه، إلا أننا نجد العديد من المشكلات المشتركة بين كل المسلمين الملتزمين - على مستوى أوروبا".

ويؤكد فاردنبيرج في فقرة لاحقة من نفس الدراسة: "بما أنه لا يوجد من يعيش بشكل دائم في أوروبا من الفقهاء الموثوق بهم، فيمكن إذاً إجراء دراسة واعية موجزة حول إمكانية تطبيق عناصر معينة من الشريعة الإسلامية في تلك البلاد، فباستثناء لندن وباريس يمكننا القول بأن هناك نقصاً حاداً في وجود قيادة فكرية إسلامية في أوروبا، وهذا يعني إجمالاً أن خيرة المفكرين يتحملون الكثير من التبعات مما يتعذر معه إيجاد تفكير إبداعي أصيل حول وجود الإسلام كدين في المحيط الأوروبي.

وقد يكون غياب الاتجاه الواقعي في دراسة الظاهرة محل النقاش، مرده إلى حقيقة مفادها أن الدراسات المسحية التي أجراها متخصصون مؤخراً حول "الفتاوى والمفتين" لم يوجه فيها أدنى اهتمام إلى المصادر الأساسية المتعلقة بالإسلام في المهجر إضافة إلى ذلك يجب أن ندرك أيضاً أن صيغة الفتوى ومعناها الدقيق قد لا يكون له نفس المغزى عند كافة الحركات والجماعات الإسلامية ذات الصلة.

فعلى سبيل المثال كتاب خالد مسعود الأخير حول"جماعة التبليغ" - تلك الحركة التقليدية التي تعنى بتجديد الإيمان، ويترك لدى القارئ انطباعاً بأن ثمة تغيراً واسع النطاق قد طرأ على نظرة أتباع هذه الحركة لأهمية الفتوى باعتبارها صادرة عن مرجعية دينية، وأنه قد تم استبدال تلك المرجعية بمصادر أخرى [10]ونلاحظ أن المنشورات المتوفرة تعتبر قليلة العدد مقارنة بأهمية الموضوع، وتتناول في دراستها لتلك الظاهرة أموراً هامشية أو عناصر جانبية فقط.

وبادئ ذي بدء فالدراسات المسيحية حول الإسلام في أي بلد أوروبى تتضمن أحياناً إشارات إلى أحد المفتين أو الفتاوى الفردية، وهذه حقيقة واقعة كأعمال لاندمان (1992) على سبيل المثال في هولندا، وبرنارد لويس (1994) في إنجلترا و أخيرا شولر وستيجمان (1998) في ألمانيا.

ثانياً: هناك بعض الدراسات في أوروبا لحركات إسلامية معينة بشكل شامل، وإن كانت قليلة إلا أنها اهتمت إلى حد ما بالدور الذي تلعبه الفتوى. نجد أن شيفارو مثلاً عندما نشر تقريره حول "الحركة الكيلانية" كنموذج في ألمانيا، قام بوضع فتاوى جمال الدين كيلاني في سياقها الملائم[11].

ثالثاً: نجد أيضاً بعض البحوث التي أجريت حول فتاوى مؤسسة معينة أو عالم مستقل، وتجدر الإشارة هنا إلى دراسة أجراها دن اكستر حول جمعية "ديانة" وبعض فتاواها للمسلمين في أوروبا[12]، والدراسة التمهيدية التي أجراها "بانت" حول الخطاب الإسلامي على شبكة الإنترنت، وتتضمن هذه الدراسة فصلاً هاماً بعنوان: "المنبر الإلكتروني": "الواجبات الإسلامية والمرجعية على الإنترنت"[13].
" Digital Minbar: Islamic Obligation and Authority online"

وكذلك الدراسة التي أجريتها بالتعاون محمد طحطاح حول فتاوى الشيخ خليل المؤمنى، الإمام المغربي بمدينة روتردام[14].

رابعاً: نجد لدينا بعض الأبحاث تتعلق بمواضيع وثيقة الصلة بوضعية الإسلام في المهجر استناداً إلى فتاوى قديمة ومعاصرة. وفضلاً عن دراسة خالد مسعود حول"وجود المسلم في ظل دولة غير إسلامية: ثلاث نماذج بديلة" [15] "Being s Muslim in a Non - Muslim Polity: Three Alternative Models".
وأيضاً دراسته حول "وجوب الهجرة: مفهوم الهجرة في الشريعة الإسلامية"
"The Obligation to Migrate: The Concept of Hijra in Islamic Law".

وحرىّ بالذكر أن هناك دراستين أجريتهما بالتعاون مع واصف شديد حول "موالاة حكومة غير إسلامية"  "Loyalty to a non - Muslim Government" وأخرى حول (قضية الذبح الشرعي)  "The [16]Case of  Ritual Slaughtering".

دراسة خالد أبو الفضل عن "الشريعة والأقليات الإسلامية: الخطاب الفقهي حول الأقليات من القرن الثاني/ الثامن حتى القرن الحادي عشر/ السابع عشر".
"Islamic Law and Muslim Minorities: The Juristic discourse on Muslim Minorities from the second/ eight to the eleventh/ seventieth Centuries"

والتي يتضح من عنوانها أنها دراسة تاريخية، إلا أنها تمثل بلا شك خلفية معلوماتية عظيمة الفائدة لكافة الدراسات المعاصرة والمناقشات الدائرة حول قضية الأقليات.

خامساً: هناك عدد قليل من الدراسات التي قام بها العلماء المسلمين حول القضية بشكل كلي، وأذكر منها كتاب "من فقه الأقليات" لخالد عبد القادر، وقد نشر في الدوحة عام 1997 ضمن سلسلة إصدارات كتاب الأمة الذي تصدره وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بقطر، ويعتبر هذا الكتاب أول إصدار باللغة العربية يتناول الموضوع من منطلق تأصيلي. وبعد صدور الطبعة الأولى من الكتاب بفترة وجيزة صدرت طبعة خاصة في الدار البيضاء بالمغرب في مارس عام 1998. وهذا الكتاب يتألف من 168 صفحة هو ملخص لرسالة دكتوراه من 700 صفحة لنفس المؤلف[17].

وفي الختام فإنني أود أن أستثمر هذه الفرصة لألفت الانتباه على عجالة لبعض الأعمال غير المنشورة. فعندنا في جامعة ليدن يشارك كافة طلاب برنامج ماجستير الدراسات الإسلامية - باللغة الإنجليزية - في حلقة نقاشية بعنوان: "الإسلام والغرب"، وهم مطالبون خلاله بتقديم بحثين مختصرين تحت إشرافي بالاشتراك مع زميل آخر هو خير زاد فيخرس. ويكون أحد البحثين بالأساس ذا طبيعة نصية نسبياً، حيث يتناول الدارس نص أحد الفتاوى بالتحليل مع إسقاطها على الواقع الأوروبي أما البحث الثاني فهو تجريبي قائم على الملاحظة، إذ يوجه لدراسة أحد مظاهر الحياة الإسلامية اليومية في المجتمع الهولندي استناداً إلى متابعة ميدانية.

والهدف الأساس من هذه الحلقة النقاشية هو تأهيل الدارسين لاتباع اتجاه متعدد التخصصات في مجال دراسات الأديان (بما في ذلك الإسلام بالتأكيد): فالبحث الأول ذو الطبيعة النصية يمثل الجانب النظري من الإسلام حسب مصادره الأصلية، وهذا يشكل جوهر البحث مع عدم إغفال السياق التاريخي و الاجتماعي الذي صدرت فيه الفتوى. أما البحث الميداني فإنه يشكل الجانب العملي من الإسلام مع اعتبار الإطار النظري منطلقاً للدراسة وفقاً للمصادر الأصلية.

وإضافة لهذه الأبحاث الإلزامية فإن بعض الطلاب قد اختاروا لأطروحاتهم موضوعات تتعلق بالإسلام في أوروبا. ولقد أثمر هذا البرنامج -  نتيجة لوجوده على مدار أكثر من ثماني سنوات وحتى الآن في جامعة ليدن - مجموعة قيمة من الأبحاث و الأطروحات والمصادر الأصلية المتعلقة بالفتاوى الصادرة للمسلمين في الغرب عموماً وفي هولندا على وجه الخصوص.

وعلى سبيل المثال فأحد الخريجين (محمد أبو شعيشع) تناول في بحثه "احتفال المسلمين في هولندا بشهر رمضان" ردود الأفعال المختلفة لأئمة المساجد بمدينة روتردام حول فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء و البحوث الخاصة بحساب غرة رمضان وآخره[18].

أما محمد أنور شريف الدين الذي قدم بحثاً بعنوان "تعريف دار الإسلام و دار الحرب: دراسة فتوى الشيخ محمد رشيد رضا حول روسيا والمسيحيين الأرثوذكس": فقد عرض لمناقشات فقهية في بدايات القرن العشرين مع الإشارة إلى روسيا و البوسنة، إذ يشكلان خلفية لا غنى عنها في الدراسة الجارية على مدار الأعوام الماضية حول " إعادة قراءة التشريعات الأوروبية وفق مبادئ الفقه الإسلامي[19].

وأخيراً فإن محمد هاشم في أطروحته للماجستير "مشكلات الأقليات المسلمة في المحيط غير المسلم" قد قدم دراسة لفتاوى شيخ الأزهر السابق الشيخ جاد الحق على جاد الحق المتعلقة بالمسلمين في الغرب[20].

وفي دراستنا التي يجري الإعداد لها حول الخطاب الفقهي (الفتاوى) المتعلق بوجود الإسلام في أوروبا، سأقدم مع زميلي فيخرس مسحاً شاملاً لكافة الأبحاث غير المنشورة لدينا.

أبحاث على المدى القريب:
على أساس المعطيات السابقة أود أن أحاول هنا رسم الخطوط العريضة لمهمة بحثية مستقبلية تأتي على ثلاث مراحل متتالية. وبالتأكيد فإن هذا المخطط لا يزال بحاجة إلى تنقيح وتطوير، وماعرضته هنا إلا إثراءً للنقاش وإفادة من آراء المهتمين بدراسة وضع الإسلام في أوروبا آملاً في الخروج بمزيد من التفصيل المفيد.

وفي تصوري فإن مراحل المشروع الثلاث هي:
1- تصنيف الفتاوى وتحليل مضمونها.
2- دراسة مقارنة لنماذج الفتاوى وتوجهاتها.
3- تحليل السياق الاجتماعي والثقافي الذي صدرت فيه الفتاوى.

المرحلة الأولى وهي الخاصة بتصنيف الفتاوى وتحليل مضمونها سوف تعنى أساساً بتتبع المرجعيات الدينية و دراسة كافة أعمالها ذات الصلة، إضافة إلى معرفة الجهات والدوائر التي طرحت الأسئلة بداية، مروراً بالملابسات المحيطة بتلك الأسئلة والظروف التي ساعدت على ظهورها ثم وصولاً إلى أجوبة العلماء عليها.

وتشمل مرحلة "تحليل المضمون" هذه تصنيفاً للفتاوى على أساس:
• الموضوع المطروح في السؤال.
• المنهجية الأصولية المتبعة في الإجابة.
• ملخص لأهم النقاط الواردة في الفتوى.

وقضية نشر المادة العلمية التي ستخرج بها المرحلة الأولى من المشروع بشكل كامل، لا تزال - من وجهة نظري - موضوع نقاش. فقد يكون الأنسب عملياً الاحتفاظ ببعض الفصول في قاعدة بيانات يتم إنشاؤها خصيصاً لهذا المشروع البحثي - ولتكن على سبيل المثال "ملخصات الفتاوى"، في حين يتم تخصيص (مونوجرافات) تقارير مستقلة تحتوي على التعريف بالمرجعيات الدينية، والمنهجية العلمية التي اتبعوها، وكذلك المواضيع محل البحث إضافة إلى الجهات المهتمة بها والظروف الاجتماعية التي أدت إلى نشأتها. من الضروري أن يكون الباحثون من الكفاءات المؤهلة بشكل متين في مجال الدراسات الإسلامية إضافة إلى المهارات اللغوية المطلوبة للبحث.

قد يحتاج أولئك الباحثون إلى مزيد من التدريب على منهجية العمل الميداني، إذ لابد لهم من دراسة المرجعيات الدينية والبحث عن المادة العلمية اللازمة، وذلك من خلال التشاور والتواصل المباشر مع الأئمة وغيرهم من الشخصيات البارزة في الأوساط الإسلامية. وبإمعان النظر في هذا التنوع الهائل في المادة العلمية واللغات المستخدمة في هذا المشروع، نجد أنه من الضروري تطوير خطط البحث لتوازي ذلك التنوع اللغوي، التي تعرضت لها الفتاوى، وكمّ الفتاوى التي تتناول موضوعاً واحداً بعينه يعتبر معياراً هاماً بالتأكيد في هذا الصدد. والمفترض أن تركز تلك التحليلات على المواقف المتباينة التي اتخذت في التعاطي مع تلك القضايا الجوهرية. ويجب أيضاً أن تقوم الدراسة بتطوير بنية نظرية تحليلية دقيقة خاصة بها، وفيما يتصل بذلك فاستخدام الأبحاث المتاحة - والتي ذكرت بعضاً منها آنفاً -  يعطي مزيداً من التوضيح.

أما في المرحلة الثالثة والأخيرة من هذا البرنامج، فسوف يقوم علماء الاجتماع بدور جوهري وهو "التحليل الاجتماعي والثقافي للسياق الذي صدرت فيه الفتاوى" والمهمة التي ستتصدر قائمة أعمالهم هي صياغة الاستبانات وتحديد المجموعات المستهدفة ليتم إجراء مقابلات معها. وتشكل هذه الخطوة مقياساً لمدى التأثير الفعلي للنماذج والعوامل والناتجة عن المرحلة الأولى إضافة إلى المقابلات وتحليل نتائجها. كما سيتم إجراء دراسات تجريبية قبل الشروع في العمل الفعلي وخصوصاً لاكتشاف المتغيرات النهائية التي ستظهر لاحقاً ولم يتضح في نتائج المرحلتين الأولى والثانية.
[1] برنارد لويس 1994 صفحة 115 - 122.
[2] فريجوسى، 1998: صفحة 123.
[3] بويكلير، 1995: صفحة 51.
[4] ابن شيخ: 1997.
[5] شيولر وستيجمان، 1998: صفحة 226 - 227.
[6] أكجوتل، 1999: صفحة 175 - 179.
[7] رسول، 1997.
[8] رمضان، 1999، صفحة: 142.
[9] مولوى، 1987، مراد، 1999.
[10] خالد مسعود 2000.
[11] شيفارو، 2000.
[12] دن اكستر، 1990.
[13] دانت، 104: 2000 - 131.
[14] فان كونتكسفيلد وطحطاح، 1998.
[15] خالد مسعود، 1989.
[16] كونتكسفيلد وشديد، 1992 و 1996.
[17] خالد عبد القادر، 1997.
[18] أبو شعيشع، 2001.
[19] شريف الدين، 2000.
[20] هاشم، 1997.



0
الهندوسيَّة والبُوذيَّة.. الخطر الكامن وراءَ محنة الأقليات المسلمة في آسيا أحمد أبو زيد


الهندوسيَّة والبُوذيَّة.. الخطر الكامن وراءَ محنة الأقليات المسلمة في آسيا

أحمد أبو زيد




محنة الأقليات المسلمة في بعض الدول الآسيوية، مثل: الهند، وبورما، وتايلاند، وسريلانكا، تقف من ورائها طائفتان، تسيطران على الحكم، ومقاليد السِّياسة في هذه الدول، وتُضْمِرُ العَدَاء للإسلام وأهله، وهاتان الطَّائفتان هما: الهندوسيَّة، والبُوذيَّة.

فعداءُ الهندوسيَّة للإسلام والمسلمينَ لا يقلُّ ضراوةً عن عداء الصَّليبية، والصِّهيَونِيَّة، والشيوعيَّة، وقد ظهر ذلك في المناطق التي يُسَيْطِر عليها الهندوس، وما تَعَرَّضَ له المسلمون فيها من مذابحَ، ومُمَارساتِ عُنفٍ على أيديهم، عَبْرَ سنوات طوال، مثلُ: الهند، وكشمير، وسريلانكا، فقد ذَاقَ المسلمون في هذه الدول مرارة الظُّلم، والاضطهاد، والتَّعذيب، والقتل، والتَّنكيل، بصورة لم يشهد لها العالَمُ مثيلاً.

ففي الهند: يعيش أكثر من 180 مليون مسلم، كأقليَّة، وسْطَ مجتمع وَثَنِيٍّ، يعبد البقر، ويكره الإسلام، وقد بقي المسلمونَ في الهند بعد التَّقسيم، ورَفَضوا الهجرة إلى باكستان؛ للإبقاءِ على الإسلام هناكَ، وتَحَمَّلُوا في سبيل ذلكَ الكثير منَ العَنَتِ، والاضطهاد، والتَّعذيب، والإبادة الجماعيَّة، وما زالتِ المُؤَامَرَات قائمةً حتى اليوم للقضاء عليهم، من خلال المَذَابحِ الجماعيَّة، وممارسات العُنْف المختلفة، فالمتطرِّفونَ الهندوس - الذين هدموا المسجد (البابِرِيَّ)، عامَ 1992م، وهو مِن أقدم وأَعْرَق مساجد الهند - يزعمون أنَّ الهند للهندوس، وعلى المسلمينَ أن يدخلوا الهندوسيَّة، ويتركوا الإسلام، أو يخرجوا منَ الهند، وإلاَّ فالموتُ جزاؤُهم.

وفي كشمير: يعيش 12 مليون مسلم، يُمَثِّلون الغالبيَّة العظمى لسكان الولاية، وكان مِنَ المفروض - طبقًا لاتِّفاقيَّة تقسيم شبه القارة الهنديَّة إلى الهند وباكستان - أن تَنضَمَّ كشمير إلى باكستان؛ ولكن الهند رَفَضَتْ هذا الانضمام، وقامتْ باحتلال الولاية عام 1947 م، وخَالَفَتْ كلَّ القَرَارات الدَّوليَّة التي تعطي لكشمير الحق في تقرير المصير، وَفْقًا لاستفتاءٍ حُرٍّ لسُكَّانها، وأَصَرَّت على حكم كشمير بالنار والحديد، وذبح أهلها لِتَحْويلهم إلى أقليَّةٍ ضعيفةٍ، وما زالت حتى اليوم تسيطر على ثُلُثَيِ الولاية، وتمارس ضد المسلمينَ هناكَ صنوف الظُّلم، والاضطهاد، والتَّعذيب، وهَضْم الحقوق، وكَبْت الحُرِّيَّات، وذلكَ بعد أنْ قَتَلَتْ منهمُ الآلافَ في مذابح جماعيَّة، وهَتَكَتْ أعْرَاض النِّساء، وأطْلَقَت جنودها الذين يصل عددهم إلى نصف مليون جندي للنَّهب، والسَّلب، والقَتْل، والتَّنكيل بأهالي كشمير، دون تَفْرِقة بين الرِّجال، والأطفال، والنِّساء، والشيوخ، فالمذابحُ الجَمَاعيَّة تحصد الجميع، ويتم حرق البيوت والمُمْتَلكات وقرى المسلمين بِمَن فيها، وعندما هَبَّ شَعْب كشمير المسلم في انتفاضةٍ إسلاميَّة عام 1990 م؛ دفاعًا عن حريته وحقه في تقرير مصيره، سَعَتِ القُوَّات الهنديَّة لِقَمْع هذه الانتفاضة بكافَّة الطُّرق، وصَدَرَتِ القوانين التي تبيح للجنود الهندوس إطلاق النار على المَدَنِيينَ؛ لِمُجَرّد الاشتباه، واعتقالهم وسجنهم سجنًا مطلقًا دون مُحَاكَمَة، وذلك لتموت هذه الانتفاضة، وتستمر سيطرة الهند على هذه الولاية المسلمة، على مَرْأى ومسمع منَ العالم كله، وهيئةِ الأمم المتحدة ومجلسِ الأمن الذي عجز عن تنفيذ قرار واحدٍ منَ القرارات التي اتَّخَذَها ضد الهند.

وفي سريلانكا: ساهمتِ الهندوسيَّة البَغيضَة في صُنع مِحْنة المسلمينَ هناكَ، وذلكَ عندما تَدَخَّلَت القوَّات الهنديَّة بدعوة منَ الحكومة السنهالية في سريلانكا؛ لِمَنع الحرب الأهليَّة بين البوذيينَ (الأغلبيَّة الحاكمة)، والتأميل، والمسلمين؛ ولكن الهندوس عاونوا التَّأميل على ذبح المسلمين هناكَ؛ ليُمَكِّنوهم من إقامة حكم ذاتي لهم في الشمال والشَّرق، حيثُ يَتَرَكَّز المسلمون، وبذلكَ تَغَيَّرَ الهدف الذي دخلتِ القوات الهنديَّة إلى سريلانكا لتَحْقِيقه، وبدلاً مِن وَقْف الحرب الأهليَّة أصبحتْ حربًا على المسلمين هناكَ، من قِبَل التأميل والهندوس؛ حيثُ لَمْ ينسَ الهندوس عداوتهم للمسلمين، ورغبتهم في استئصال وجودهم منَ الهند وكشمير وغيرها منَ الدول المُجَاوِرة.

وإذا ما انتقلنا إلى البوذيَّة - وهيَ ديانةٌ منَ الدِّيانات الباطلة التي تُسَيطر على عددٍ منَ الدول الآسيوية، مثل: بورما، وتايلاند، وسريلانكا، نجدها تضمر هي الأخرى العَدَاوة للإسلام والمسلمين، وتسعى لإِبادَتِهم في الدول التي تسيطر عليها، ومن هنا تأتي المحنة التي يعيشها المسلمونَ في هذه الدول.

ففي بورما: تعيش أقليَّة مُسلمَة في ظل حكم بوذي بغيض، يكره المسلمين، ويسعى لإِبَادَتِهم، ويحرمهم من أدنى حقوقهم السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة؛ حيث يجبرهم على الرِّدَّة عن الإسلام، ويقوم بهدم مساجدهم ومدارسهم الإسلاميَّة، ومصادرة أراضيهم، واغتصاب أموالهم وممتلكاتهم، وطردهم في موجات طرد جماعيَّة خارج البلاد، واغتيال قادتهم، وقتلهم سواءٌ في مذابح جماعية، أم بالتعذيب والتجويع في السجون والمُعتَقَلات، هذا إلى جانب اغتصاب النِّساء المسلمات، وإحراق مساكن المسلمين، وهَدْم القُرَى الإسلاميَّة، وممارسة كافَّة أشكال التَّمْيِيز العُنصري ضد المسلمين؛ سواء في الوظائف الحكومية، أو المناصب العليا، أو الحقوق السياسيَّة والاجتماعيَّة؛ حيثُ يعامَل المسلمون مُعامَلَة خاصَّة تختلف عن مُعَامَلة البوذيينَ؛ وذلك لإذْلالِهم، وإضعاف شَوْكَتِهم، وجَعْلِهم بلا هُوِيَّة، وهذا كله سعيًا لإِبَادَتِهم، واستئصالهم؛ حتى ينتهي الإسلام، ويختفي في هذه الدولة.

وفي سريلانكا: نجد أنَّ الأغلبيَّة الحاكمة فيها تدين بالبوذية، وموقفها منَ المسلمينَ لا يختلف عن موقف حكومة بورما، حيث تضطهدهم وتحرمهم من حقوقهم المشروعة، وتَتَوَاطَأ مع التأميل والهندوس على حربهم وذبحهم، واستئصال وجودهم، وتهميش دورهم، وضرب هُوِيَّتهم الإسلاميَّة.
وفي تايلاند: يعيش أكثر من 4 مليون مسلم في إقليم (فطاني)، ويواجهون تحدياتٍ كبيرةً من الحكومة البوذيَّة هناكَ، منها: اغتصاب أراضيهم، ومنحها للبوذيين؛ لإضعاف كيان المسلمين الاقتصادي، والسيطرة على التَّعليم، وإغلاق مكاتب تحفيظ القرآن الكريم والمدارس الإسلاميَّة، وحتى اليوم ما زالتِ الحكومة البوذيَّة في تايلاند تمارس سياستها الاضطهاديَّة ضد مسلمي (فطاني)، وتقوم بحرب شَرسَة؛ لقتل رُوح المُقَاوَمة الإسلاميَّة هناك، فقد أحرقت ما يزيد عن مائة ألف شابٍّ مسلم من (فطاني)، وسجنت وقَتَلَتِ العديد مِن علماء المسلمينَ.


الالوكة

0
الأقليات الإسلامية ظروفها وآمالها وآلامها


الأقليات الإسلامية ظروفها وآمالها وآلامها

سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
 الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فإن الله جلت قدرته قد بعث الأنبياء والمرسلين للدعوة إلى توحيده، وإخلاص العبادة له سبحانه، وإيضاح شرعه الذي شرعه لعباده، وخلق الثقلين لذلك، كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[1]. وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}[2].
وأخبر سبحانه وبحمده أنه لا يعذب قوماً إلا بعد إرسال البشير والنذير قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[3]. وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}[4].

ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله على فترة من الرسل جاء بعد أن ملئت الأرض جوراً وظلماً. وبعد أن تغلبت معصية الله في أرضه على طاعته، فأرسله الله للعالمين الإنس والجن، وللعجم والعرب بشيراً ونذيراً ومبلغاً لشرع الله، فوضح ودعا، وأرسل الكتب لرؤساء الأمصار بالدعوة لما جاء به، لتقوم الحجة على من عاند وخالف، قال الله تعالى {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ لاَ إِلـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُْمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[5].

وقد جعل الله شريعته خاتمة الشرائع، ورسالته خاتمة الرسالات، لأن فيها الكمال والشمول لما يصلح الناس وأحوال معيشتهم ومعادهم، ولم يترك صلى الله عليه وسلم خيراً إلا دعا الناس إليه، أو شراً إلا وحذرهم منه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ولا يزيغ عنها إلا هالك)). وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم)). خرجه مسلم في صحيحه.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا أبداً ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنَّتي)).. ففي كتاب الله أمر بالدعوة إلى دين الله دين الحق الذي لا يقبل سبحانه من البشر سواه، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِْسْلاَمُ}[6]. وقال سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِْسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآْخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[7].

وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الدعوة. وتوضيح لما يجب أن يؤديه المسلم نحو دين الله بتوضيحه لسائر البشر فهو أمانة ملقاة على عواتق أهل العلم ولا تبرأ ذممهم إلا بذلك نحو إخوانهم المسلمين بالتوضيح والنصح، قال صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً – وشبك بين أصابعه)). رواه البخاري ومسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)). متفق عليه.

فالمسلمون في أي مكان وزمان واجب عليهم التناصح فيما بينهم، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإْنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[8]. وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[9].
وقال عليه الصلاة والسلام: ((الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتبه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)).

فالواجب على المسلم الإمتثال لأوامر الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والنصح لله ولعباده لأن في ذلك السعادة كلها في الدنيا والآخرة، والعزة للمسلمين لا تكون إلا بذلك حيث يعلي سبحانه كلمتهم وينصرهم على أعدائهم مهما كثروا وتعاونوا.

ولقد سمعنا وقرأنا الأخبار عن كثير من إخواننا المسلمين في المجتمعات التي غالبية سكانها من غير المسلمين، وما يحصل عليهم من التسلط والتضييق في إقامة شعائر دينهم لإبعادهم عنه، إما بالإكراه أو بطرق أخرى. فنسأل الله لهم ولجميع المسلمين الثبات على الإسلام والعافية من مكائد الأعداء.

ولا شك أنهم على ثغرة من ثغور الإسلام، ويحتاجون والحالة هذه إلى كل مساعدة وعون سواء من الناحية السياسية وهذا خاص بالحكومات الإسلامية من العرب وغيرهم التي لديها غيرة على الإسلام، ولها علاقات مع تلك الدول، بإرسال المندوبين وبعث الرسائل والتأكيد على ممثلياتها وما إلى ذلك من الوسائل والأساليب التي تعين إخوانهم في تلك الأقليات، وترفع معنوياتهم، وتشعر من يتسلط عليهم بأن لهم إخواناً في العقيدة يهتمون بأمرهم ويتابعون أخبارهم ويغارون عليهم.

وسوف يرتفع الضيم والظلم عن المسلمين – إن شاء الله – عندما تشعر تلك الدول وغيرها أن وراء هذه القلة المسلمة دول تتألم لآلامهم، وتهتم بشؤونهم، فتنصاع لمطالبهم، وترفع يدها عن ظلمهم، ولاسيما أن غالب تلك الدول بحاجة إلى البلاد الإسلامية في الشؤون الإقتصادية وغيرها.

والقلة المسلمة في كل مكان لا شك أنهم في أمس الحاجة إلى المساعدة المادية والمعنوية، لإقامة المساجد وبناء المدارس، ونحو ذلك مما يعينهم في عملهم الإسلامي، وواجب على كل مسلم أن يعينهم بقدر طاقته مع إرسال الدعاة لهم، لتعليمهم العقيدة الصحيحة، واللغة العربية والعلوم الإسلامية، لأن الكثير منهم في جهل كبير بأمور دينهم.

وبهذه المناسبة نحب أن نشير إلى أن للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – بحمد الله – جهوداً في مختلف البلاد الإسلامية والبلاد التي فيها أقليات، وتشاركها في ذلك رابطة العالم الإسلامي، وبعض الدول والمؤسسات الأخرى، أسأل الله أن ينفع بهذه الجهود وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يوفق القائمين على ذلك لما يحب ويرضى.

فقد قامت الرئاسة بمواصلة نشر رسالة الإسلام في ربوع إفريقيا وأوروبا، وأجزاء من أمريكا وآسيا واستراليا، لإيصال كلمة الحق إلى الناس عبر المحاضرات والدروس والكتب واللقاءات والإتصالات بشتى الطبقات، وبأنواع الثقافات، ومن خلال المساجد والمدارس والجمعيات والمؤسسات الإسلامية التي تدعمها وتساهم في تأسيسها وبنائها، بواسطة دعاتها المنبثّين في سائر أرجاء الأرض، فالرئاسة توجه نشاطاتها فيما يقرب من خمسين بلداً في إفريقيا وحدها ولها أكثر من ألف داعية هناك، يبلغون كلمة الإسلام، ويدعون إلى دين الله في المساجد والمجتمعات والمناسبات المتعددة ويقومون بالتدريس والوعظ وإرشاد الناس بالحسنى إلى صراط الله المستقيم، وإلى العقيدة الصحيحة التي بلغها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأمته، وسار على نهجها الصفوة الأولى من هذه الأمة.
وقد نفع الله بجهود هؤلاء الدعاة وأخبار عالمهم ظاهرة بحمد الله، حيث أسلم على أيديهم من أراد الله هدايته.

أما في أمريكا وأوروبا واستراليا فقد قامت الرئاسة ضمن جهود أخرى بإرسال العديد من الوفود، وذلك لمعايشة هذه الأقليات المسلمة وتقصي الحقائق عن أوضاع المسلمين، وتقويم أعمالهم، ومعرفة ما يستجد بشأنهم وإيجاد الحلول لما يعترضهم من مشكلات، وبيان ما ينقصهم في علمهم الإسلامي.

وقد تمخض عن ذلك إرسال الكثير من الدعاة والمدرسين إلى البلدان المحتاجة التي يوجد فيها أقليات مسلمة، ودعم الجمعيات والمراكز في بناء منشآتها مادياً ومعنوياً مع تزويدهم بأمهات الكتب والمراجع العلمية، والنصح والإرشاد لهم، لعل الله ينفع بذلك.

وعلى سبيل المثال يوجد لهذه الرئاسة دعاة في بريطانيا عددهم (23) داعية، وفي فرنسا (15) داعية، وفي البرتغال داعية، وفي الدنمارك داعيان، وفي ألمانية الغربية (5) دعاة، وفي اليونان (4) دعاة، وفي إيطاليا داعية، وفي بلجيكا (5) دعاة، وفي تركيا (8) دعاة، وفي جزر الكناري داعية، وفي جزر المارتينك داعية، وفي سويسرا داعية، وفي قبرص (3) دعاة، وفي هولندا داعية، وفي النمسا داعية، وفي الولايات المتحدة الأميريكية (31) داعية، وفي كندا (7) دعاة، وفي البرازيل (9) دعاة، وفي الأرجنتين داعية، وفي البحر الكاريبي داعية، وفي ترينيداد (3) دعاة، وفي سورينام داعيان، وفي غويانا داعيان، وفي جزر فيجي داعيان، وفي استراليا (5) دعاة، وفي نيوزلندا داعية واحد..

أما في آسيا فتقوم الرئاسة بتوفير عدد لا بأس به من الدعاة في البلدان التي يوجد بها أقليات إسلامية لنشر الدعوة الإسلامية بينهم المبنية على أساس من العقيدة الصحيحة حسبما أخذها السلف الصالح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفهمها أصحابه رضوان الله عليهم.

كما وضعت مكاتب ومشرفين لمتابعة أعمال الدعاة، وتوزيعهم حسب حاجة تلك البلدان وبحث ما فيه مصلحة لدعم الجمعيات الإسلامية المعروفة بسلامة الإتجاه بعد التأكد من حاجتهم بالكتب الإسلامية والكتابة إلى المؤسسات التعليمية لتزويدهم بالمقررات المدرسية كما تقوم بالمساهمة في إكمال مشروعاتهم التي تعود على المسلمين هناك بالنفع في دينهم ودنياهم كالمساهمة في بناء المساجد وترميمها وتزويدها بالمصاحف، وتوثيق المؤسسات الإسلامية للإطمئنان على سلامة القائمين على العمل وصدقهم، وذلك بإعطائهم توصيات خاصة لمحبي الخير لمساعدتهم في عملهم الخيري، وإرسال الوفود من الرئاسة لتفقد أحوال الأقليات ومعرفة إحتياجاتهم الضرورية.

وللرئاسة عدد من الدعاة في بلدان أخرى بقارة آسيا يوجد بها أقليات إسلامية كالهند التي يوجد بها (9) دعاة، والفلبين (6) دعاة، وتيلاند (37) داعية، ونيبال (15) داعية، وسريلانكا (14) داعية، واليابان (5) دعاة، وكوريا داعية، وسنغافورة داعيان. وكل ما ذكرت من عمل الرئاسة ودعمها للجمعيات الإسلامية والمراكز الإسلامية وإرسال الدعاة وغير ذلك من أعمال إسلامية كله إنما يتم بفضل الله سبحانه ثم بفضل حكومتنا الرشيدة وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد حفظه الله من كل سوء ونصر به الحق وفسح في أجله على خير عمل...

وبهذه المناسبة التي تعقدها ندوة الشباب العالمية لبحث أوضاع الأقليات الإسلامية في العالم، أوصي إخواني الدعاة جميعاً بتقوى الله سبحانه وتعالى والعمل بإخلاص في تبليغ هذا الدين مستحضرين ما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، في فضل الدعوة وآداب الدعاة، حيث قال سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[10]. {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[11]. وقال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[12].

وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة التي منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)). وقوله صلى الله عليه وسلم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بعثه إلى خيبر: ((فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)).

ووصيتي لإخواني المسلمين في الأقليات الإسلامية وفي كل مكان أن يتقوا الله وأن يتفقهوا في دينهم ويسألوا أهل العلم عما أشكل عليهم، وأن يحرصوا على تعلم اللغة العربية ليستعينوا بها على فهم كتاب الله عزوجل وسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأول ذلك الإهتمام بكتاب الله فهماً وعملاً، كما جاء في الحديث الصحيح: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)). ثم قراءة كتب الحديث الموثوقة المعتبرة، وغيرها من كتب الفقه والعقيدة المعتمدة عند أهل السنَّة والجماعة. وأن يتلقوا كل ذلك على أيدي علماء معروفين بالصلاح والتقوى وحسن العقيدة والعلم الصحيح.
وعلى الإخوة العلماء في المجتمعات ذات الأقلية المسلمة أن ينشطوا في مجال الدعوة إلى الله بين إخوانهم وغيرهم، ولهم الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى.
وهذا العمل من أجل الأعمال وأعظمها كما تقدم في قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[13].
ثم بعد ذلك يجب عليهم تبليغ هذا الدين إلى من حولهم من الأمم الأخرى، لأن دين الإسلام للناس كافة قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}.
وهذه المجتمعات بأشد الحاجة إلى هذا الدين، والداعي إلى الله يحصل له الأجر العظيم إذا كان سبباً في هداية هؤلاء وإرشادهم لما خفي عليهم من أمور دين الإسلام كما تقدم في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: ((فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)).

فبهذه الدعوة يدخل في دين الله، دين الإسلام إن شاء الله أفواج ويقل عدد الكفار فتصبح الغلبة إن شاء الله تعالى للمسلمين، وإن لم يتمكن المسلم في تلك البلاد من الدعوة فعليه أن يلتزم بدينه وأن يتخلق بالأخلاق والآداب الإسلامية لأنها دعوة بالفعل، ولأنها محببة لذوي العقول الصحيحة فيتأثر الناس غالباً بهذه الصفات الحميدة. ولقد دخل الإسلام إلى بعض دول شرق آسيا بأخلاق التجار من الأمانة والصدق في المعاملة.
ومتى عجز المسلم عن إظهار دينه في بلد إقامته، بحيث لا يأمن على دينه وعرضه وماله، فإنه يجب عليه الهجرة إلى بلاد آمنة يستطيع أن يؤدي شعائر دينه بأمن وراحة بال، عملاً بالآيات والأحاديث الواردة في ذلك.
ولا يفوتني أن أشكر القائمين على هذه الندوة جهودهم الطيبة في خدمة الإسلام والمسلمين..

نسأل الله لنا ولهم ولجميع المشاركين في هذا المؤتمر التوفيق والسداد وصلاح النية والعمل إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
ـــــــــــــــــــــــــ
[1]  سورة الذاريات، الآية [56]. 
[2]  سورة النحل، من الآية [36].
[3]  سورة المائدة، الآية [19].
[4]  سورة الإسراء، من الآية [15].
[5]  سورة الأعراف، الآية [158].
[6]  سورة آل عمران، من الآية [16].
[7]  سورة آل عمران، الآية [85].
[8]  سورة فصلت، الآية [33]. 
[9]  سورة يوسف، الآية [108].
[10]  سورة فصلت، الآية [33].
[11]  سورة يوسف، الآية [108]. 
[12]  سورة النحل، الآية [125].
[13]  سورة فصلت، الآية [33].


الالوكة 

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

 
تعريب وتطوير مدونة الفوتوشوب للعرب
المسلمون في العالم © 2011 | عودة الى الاعلى
Designed by Chica Blogger