‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسلمي أوروبا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مسلمي أوروبا. إظهار كافة الرسائل

0
مسلمي السنجق ... هل هذا وقت الخلاف والاقتتال ؟!!! يحيي البوليني






تألم المسلمون جميعا في أحداث البوسنة والهرسك , وتصدرت المذابح التي تعرضوا لها كل وسائل الإعلام الإسلامية , وتحرك الكثير من المسلمين لنجدتهم ماليا أو بأفراد أو بغير ذلك من وسائل الدعم على المستوى الشعبي , ولكننا نتألم الألم الأكبر حينما نجد هذه الفئة التي طالما ذاقت من العذاب ألوانا تقتتل فيما بينها على أي سبب مهما كان .
اقليم السنجاق المسلم
فتحد إقليم السنجق شرقا شمالا الجمهورية الصربية ، وتحده من الشمال الغربي جمهورية البوسنة والهرسك، ومن الغرب جمهورية الجبل الأسود، ومن الجنوب إقليم كوسوفو , وتبلغ مساحته حوالي تسعة آلاف كيلومترا مربعا، وسكانه حوالي نصف مليون نسمة يشكل المسلمون أغلبيتهم
والأصل العرقي لأهل البوسنة والسنجاق واحد وهو (البشناق) لكن الصرب قسموهم إلى قسمين معزولين تماما , وتعرضا معا للبطش الصربي وتعرضا للقتل الجماعي والإبادة المتعمدة المسكوت عليها عالميا حتى اضطروا إلى الهجرة فرارا من الذبح على أيدي الصرب الذين قتلوا منهم مئات الألوف في موجات متتالية
فهل يعقل لمن يتعرض لمثل هذه الأخطار والمؤامرات أن يكون بينه وبين أخيه المسلم عداء مستحكما يصل إلى حد التنازع بالسلاح ويقتل بعضهم بعضا ؟!!!
وهل يمكن أن تصل هذه الخلافات لدرجة أنها تتطلب زيارة من وزير الخارجية التركي ليعقد مصالحة بين زعماء ووجهاء من مسلمي السنجق ليعود السلام بين الأشقاء ؟!!!
تركيا تتوسط لحل النزاع بين مسلمي سنجق بصربيا
ففي يوم السبت 12, نوفمبر 2011 زار السيد أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي صربيا وكان من مهامه في هذه الزيارة وساطة رسمية تركية لعقد مصالحة بين مسلمي السنجق لحل هذا النزاع  .
والفاعل المجهول المذكي لهذا الصراع معلوم للكثيرين وهو الطرف المستفيد من خلافهم مع بعضهم البعض ولكنهم دائما ما يتركون الهدف الأولى والعدو المتربص ليشتبك المسلمون في معارك فرعية جانبية لا قيمة لها ويتركون القضية الأهم والأخطر ويتناسون قول الله تعالى " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)

يحدث كل هذا الخلاف والإقليم يتعرض لحملة إبادة ويتم التخطيط له ليل نهار لأنهم لا يتحملون إقليما مسلما بين دول القارة الأوروبية ولهذا يحرمون أهله من ابسط الحقوق مثل التعليم والصحة حتى جعلوا الإقليم متخلفا عن باقي أرجاء صربيا فضلا عن باقي أقاليم وبلدان القارة الأوروبية
فالإقليم في حاجة ماسة إلى توحد المسلمين فيه ويحتاج أيضا إلى معونات مادية وتعليمية وطبية فيحتاج - كما قال الدكتور سليمان أوغلياتين رئيس الحزب الإسلامي بإقليم سنجاق - إلى ثلاث مدارس إسلامية وإلى جامعة إسلامية، و20 مسجدًا ومستوصفا إسلاميًّا , كما يحتاج بالأهم والأخص إلى ضغط عالمي على الصرب لمنح الإقليم حكمًا ذاتيًّا.
فهل يعي المسلمون أنه لا يمكن لأحد أن يتبنى قضيتهم العادلة إذا لم يتبنوها هم أولا بتوحدهم ونبذ الفرقة بينهم والاجتماع على كلمة سواء وترك الأهواء والرغبات الشخصية والتسامي لتحقيق الأهداف العليا لنصرة دينهم ولرفعة شأنهم ولتحقيق مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم من بعدهم ؟
وهل تذهب عنا نيران الاختلاف والفرقة التي تنتج دوما من الأهواء الشخصية وحب الظهور , وهل تذهب بلا عودة تلك النعرات التي ضيعت كل قضايانا الكبيرة منها قبل الصغيرة ؟ !!
مركز التاصيل للدراسات والبحوث

0
الأقليات المسلمة في أوروبا ودلالاتها بيتر شورد فان كونتكسفيلد

الأقليات المسلمة في أوروبا ودلالاتها
بيتر شورد فان كونتكسفيلد  

نقلها إلى العربية: محمود الصيفي

المرجعيات الدينية والفتاوى الصادرة عنها:
يعد التعامل مع الاستفسارات التي يطرحها جمهور المسلمين والإجابة عليها - بشكل يومي - أحد المهام الأساسية المنوطة بإمام المسجد في أوروبا، إذ يعتبر الإمام مرشداً دينياً وليس إمام محراب فحسب، وفي غالب الأحيان يكون الإمام مؤهلاً للإجابة بشكل مباشر على تلك التساؤلات اعتماداً على رصيده من العلم الشرعي. إلا أنه (أي الإمام) يحتاج في أحيان أخرى إلى مطالعة بعض المراجع والكتب الثقات من وجهة نظره وذلك حسب التوجه الذي ينتمي إليه.

ولقد أوضح لي عدد من الأئمة المغاربة والأتراك المقيمين بهولندا أن إجاباتهم على تلك الأسئلة تعتبر فتاوى شرعية عند من يوجه السؤال، إلا أن تلك الفتاوى تتسم بالتقليد: ففي إطار نقل الفتوى يلتزم هؤلاء الأئمة برأي غيرهم من العلماء الذين يتمتعون بمرتبة علمية أعلى أو الذين وصلوا إلى درجة الاجتهاد على سبيل المثال، سواء كان أولئك العلماء من الأئمة الأعلام السابقين الذين تركوا آراءهم مسطورة في مؤلفاتهم، أو كانوا علماء معاصرين أو هيئات علمية، وهؤلاء عادة ما يرسلون إجابتهم مكتوبة إلى الأئمة.

في غالب الأحيان يصعب أن تترك الفتاوى الشفهية أي أثر ملحوظ على المستوى العام، ولذا فإن بعض الأئمة يفضلون الاحتفاظ كتابة بمجموعة منتقاة - على الأقل - من الأسئلة التي ترد إليهم مرفقة مع الأجوبة التي صدرت عنهم رداً عليها، ثم يقومون لا حقا بطباعة بعض تلك الفتاوى على شكل مطويات مثلاً و أحياناً على شكل كتب، وذلك لقناعتهم بأن تلك الفتاوى ستلقى صدى أوسع وجمهوراً أعرض في أوساط المسلمين حال نشرها بهذه الصورة.

وأسوق لذلك مثالين: أولهما مطوية صدرت عن أحد الأئمة في مدينة أمستردام - محمود الشرشابى نبه فيها المسلمون إلى ضرورة الامتناع عن المشاركة في الاحتفالات بأعياد النصارى ونشرت عام 1999، والمثال الثاني مجموعة الفتاوى التي أصدرها الشيخ خليل المؤمنى أحد أئمة مدينة روتردام ونشرت 1998، وتجدر الإشارة إلى أن كلا الإصدارين كان باللغة العربية إلا أن الشيخ المؤمنى يقوم حالياً بالإعداد لإصدار ترجمة باللغة الهولندي للفتاوى المتعلقة بالواقع الأوروبي مع زيادات وإضافات حديثة لم تنشر من قبل.

ورغم ذلك فمن المعلوم أن هناك العديد من الاستفسارات التي ترد إلى الأئمة لا يستطيعون التوصل فيها إلى إجابة شافيه، وفي هذه الحالة يتوجهون بتلك الأسئلة إلى مرجعية أعلى آملين في الحصول على الإجابة الصواب، ويقومون من ثمَّ بنقلها إلى المستفتين، وإضافة لما سبق، نلحظ أن المستفتى في عصرنا هذا الذي يتميز بوفرة وسائل الإعلام كالتلفاز والإنترنت -  قد يجد طريقه إلى تلك المرجعيات الدينية العليا مباشرة ودون اللجوء إلى الإمام.

فما هي إذن تلك المرجعيات الدينية العليا؟
أرى أنه من المناسب بشكل عام والمفيد في تحليلنا للظاهرة التي نحن بصددها، أن نميز بين المرجعيات الدينية المتواجدة داخل أوروبا من ناحية وبين تلك المتواجدة خارجها - في العالم الإسلامي على وجه الخصوص - من ناحية أخرى، إلا أن هناك صنفا ثالثا من المرجعيات الدينية استطاع أن يتجاوزوا هذا التقسيم، بأن جمع بين علماء من أوروبا وآخرين من العالم الإسلامي ووحدهم تحت مظلة هيئة واحدة، بيد أن التقسيم الجغرافي لتلك المرجعيات الدينية التي تتعامل مع المسلمين في أوروبا لا يعد كافيا - وخصوصا في عصر العولمة الحالي، فسيل الفتاوى الموجودة على شبكة الإنترنت يجب أن يؤخذ كذلك بعين الاعتبار.

المرجعيات الدينية داخل أوروبا:
إننا نتعامل ضمن هذا التصنيف مع ثلاث مجموعات مختلفة من العلماء، فيأتي في المقام الأول العلماء الموفدون إلى أوروبا من قبل حكومات البلدان الإسلامية أو المؤسسات الإسلامية الدولية ذات الطابع الرسمي. فعلى سبيل المثال نجد أن المفتين المتواجدين بالسفارات التركية في البلدان الأوروبية التي تقيم بها جاليات تركية، قد تم إيفادهم من قبل الحكومة لتوجيه الأئمة الأتراك العاملين في تلك البلدان ولإرشاد جمهور تلك الجاليات.

ثانياً: يوجد في مختلف العواصم الأوروبية والمدن الرئيسية العديد من المساجد الكبرى التي تضم معاهد ثقافية أو إسلامية ملحقة بها، وهذه المساجد تدعمها عادة دول إسلامية معينة أو هيئات إسلامية دولية كرابطة العالم الإسلامي، ويكون القائمون على أمر تلك المساجد والمعاهد ممثلين دبلوماسيين لدول إسلامية وثيقة الصلة بتلك الهيئات، كما يتم أيضا إيفاد العلماء إليها للعمل في مجال الدعوة و التوعية الدينية.

ومثال ذلك الشيخ عبد العزيز بن الصديق أحد علماء المغرب والذي عين من قِبَل الحكومة المغربية في المعهد الإسلامي التابع للمسجد الكبير في بروكسل حيث كان هذا العالم مرجعا يستشيره معظم الأئمة المغاربة في كل من هولندا وبلجيكا، ولقد أصدر بالاشتراك مع غيره من العلماء أحد الفتاوى الهامة والتي كانت تؤيد الرأي القائل بجواز إقامة المسلمين في أوروبا باعتبارها دار سلام، في ذات الوقت الذي كان فيه علماء الجزائر يدعون رعاياهم في فرنسا إلى مغادرتها فوراً لأنها دار حرب ويجب على المقيمين فيها من المسلمين أن يهاجروا إلى ديار الإسلام.

وهناك نموذج آخر لأحد علماء مصر وهو الدكتور سيد متولى الدرش الذي تخرج من جامعة الأزهر بالقاهرة، وعمل لعدة سنوات إماماً بمسجد ريجنتس بارك في لندن والمركز الثقافي التابع له، وهو أيضا رئيس المجلس الشرعي في المملكة المتحدة، وأمين الوكالة الإسلامية الدولية للإغاثة، وقد نشر له مؤخراً كتاب يضم مجموعة من أعمدته الصحفية نصف الشهرية التي كان يكتبها تحت عنوان: "الإسلام سؤال و جواب" في أحد الصحف الإسلامية الأسبوعية المسماة "News International-Q" والتي تصدر باللغة الإنجليزية، وهذا الكتاب يتناول العديد من القضايا التي تهم المسلمين في أوروبا تحديداً.

ثم يأتي في المقام الثاني العديد من المرجعيات الدينية الموجودة في أوروبا والذين يمارسون نشاطهم أساساً بشكل مستقل عن حكومات البلدان الإسلامية، ولتوضيح ذلك أسوق بعض النماذج من المملكة المتحدة وفرنسا و ألمانيا ففي المملكة المتحدة على سبيل المثال نجد بين المسلمين الهنود والباكستانيين العديد من العلماء الذين ينتمون إلى المدرسة الفقهية الديوبندية أو البريلاوية يتم التعامل معهم بشكل أو بأخر باعتبارهم أهل الفتيا - لكن على نحو خاص، فقد يكون لهم أحياناً ارتباط بمجامع فقهية أنشأوها بأنفسهم أو أنشئت من أجلهم[1]. ومن الملاحظ أنهم نشطاء في إصدار الفتاوى سواء كانت مكتوبة أو شفهية وقد تنشر لهم بشكل غير منتظم مجموعات من الفتاوى الهامة، كـ "دليل طعام المسلم" مثلاً الذي يصدره المفتى يوسف ساشاس من حين لآخر في طبعات مزيدة ومنقحة لتقديم النصائح و الإجابة على التساؤلات المتعلقة بكافة أنواع الأطعمة المتوافرة بالسوق الإنجليزية.

أما عمر بكري محمد -  السوري الأصل - مدير كلية الشريعة في لندن والعضو النشط في حزب التحرير فإنه يقدم في كتابه "Fiqh Essential - مبادئ الفقه الأساسية" حكم الإسلام في عدد من القضايا العامة التي يواجهها الجيل الحالي من المسلمين و خصوصاً المقيمين منهم في الغرب.

هناك أيضاً الشيخ عبد القادر المرابط (إيان دالاس سابقاً) الذي يندرج تحت هذا الصنف من المرجعيات الدينية غير الرسمية أو غير المدعومة حكومياً، حيث أصدر سلسلة من الفتاوى التي تتسم صراحة بالتشدد، والشيخ المرابط هو رئيس حركة المرابطين العالمية حيث مقرها في إنجلترا وهى تتشكل أساساً من معتنقي الإسلام، ولفترة ما كان لتلك الحركة مركزاً للنشر في غرناطة باسم "دار الإفتاء" صدرت عنه العديد من الفتاوى أيضاً.

وفي فرنسا نلحظ صراعاً بين تيارين حول إيجاد "مرجعية دينية" فهناك الاتجاه الإسلامي من ناحية والاتجاه العلماني - الجمهوري من ناحية ثانية. ويتمثل الاتجاه الإسلامي في "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية" في شاتيو - شينون والذي أسسه "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (uon) عام 1992 بالتعاون مع "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" بألمانيا. وتعتبر"مادة الفتاوى" أو "المبادئ الأساسية للإرشاد الديني" أحد عناصر المنهج الدراسي لإعداد الأئمة والمدرسين الشرعيين بالمعهد. وتخصص تلك المادة لدراسة "عملية الإفتاء" من حيث مصادر الفتوى وأساليب صياغتها ونماذجها. وقبل أن يبدأ الطلاب في دراسة الفتاوى الهامة لعلماء من العالم العربي تتعلق بقضايا معاصرة ومتنوعة، يجب أن يتعلموا خصائص الفتوى و المؤهلات والأدوات اللازمة لممارسة الإفتاء[2].

أما المعهد الإسلامي التابع لمسجد باريس فإنه يعتبر المنافس الأساسي لما له من روابط تاريخية وسياسية وثيقة مع الحكومة الفرنسية، وتشكل المادة رقم 22 من" ميثاق الكتلة الإسلامية في فرنسا "- والذي تقدم به رئيس المعهد عام 1995 - جزءاً من البند الثالث الخاص بـ "نظام المؤسسات النيابية". حيث تنص على أن "يتم تشكيل اتحاد للأئمة - على مستوى كل إقليم (من فرنسا) - يترأسه مفتي إقليمي أو أسنّهم وأكثرهم خبرة وكفاءة في حالة غياب الرئيس، ليكون هذا الإتحاد أداة التواصل والتنسيق[3].

وأحد هؤلاء المفتين هو صهيب بن شيخ الذي قدم نفسه باسم "مفتي مرسيليا" وذلك على غلاف كتابه "الإسلام في فرنسا العلمانية"، وقد درس ابن شيخ في المعهد الإسلامي بالجزائر العاصمة وكذلك في الأزهر، وسرعان ما نال درجة الدكتوراه في العلوم الدينية من Ecole Etudes Partique des Hautes في باريس. ولقد تعهد ابن شيخ في كتابه Marianne et Islam أن يبرهن على وجود انسجام تام بين الإسلام والعلمانية الفرنسية، حيث انتقد المفارقة الزمنية في النظريات الإسلامية كما انتقد الفوضوية التي تسود مجال الإمامة في فرنسا، ودعا إلى إيجاد ما أسماه بـ  "الإسلام الجمهوري" كما طالب بالسماح بإعداد الأئمة في فرنسا[4]. لكن من المؤكد أنه لا يوجد اعتراف بهذه الهيكلية التي نص عليها الميثاق - عند قطاع عريض داخل أوساط المسلمين في فرنسا بشكل عام.

وكذلك الحال في ألمانيا بالنسبة لاقتراح تقدم به مجلس "إسلام رات" "Isalamrat" عام 1993 بخصوص لقب "Sheikhulislam" أو "شيخ الإسلام".

حيث كان الهدف من تلك المحاولة هو إنشاء مرجعية دينية تتحدث باسم عموم المسلمين في ألمانيا، ومن ثمَّ تقوم تلك المرجعية - باعتبارها تلعب دور المفتي الفعلي لألمانيا - بصياغة فتاوى تتعلق بالقضايا الحياتية للمسلمين في ذلك البلد. لكن هذه المحاولة هي الأخرى باءت بالفشل إذ لم تحظ بالاعتراف المطلوب على المستوى العام للمسلمين[5].

إلا أن هذه الخطوة في ألمانيا تحديداً - لإحياء منصب"شيخ الإسلام" - الذي أنشأه العثمانيون - تعتبر خطوة استراتيجية لاستعادة التوازن وخصوصاً بعد مطالبة - الراحل - كمال الدين كايلان بتلقيب نفسه بـ "الخليفة" فضلاً عن "شيخ الإسلام" وكان ذلك بعد انشقاقه عن جماعة "الميلى جوروش" وتأسيس حركته التي كان لها أنصار في ألمانيا و هولندا.

وحقيقة تعتبر اليونان هي الدولة الوحيدة ضمن الإتحاد الأوروبي التي توجد بها قاعدة عريضة من المفتين، وبغض النظر عن أهليتهم لتعاطى مع المسائل الشرعية الدقيقة ومراقبتهم لإدارة ممتلكات الأوقاف - فإنهم يمارسون سلطتهم القضائية على المسلمين فيما يتعلق بأمور الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والوصايا الإسلامية[6].

من الملاحظ أن بعض المرجعيات الدينية المتواجدة في أوروبا ربما يوجهون جهدهم بشكل أساسي إلى جمهور المسلمين في بلد أوروبي معين، كما هو الحال مع محمد رسول الذي ينصب اهتمامه على المسلمين في ألمانيا، ويبدو ذلك جلياً على سبيل المثال من خلال كتابه المتعدد الأجزاء "مفتي ألمانيا" "[7]Der Deutsche Mufti"  وعلى نفس النمط نجد ابن شيخ مفتي مرسيليا المذكور آنفاً، إذ من الواضح أنه يوجه نشاطه إلى المسلمين في فرنسا تحديداً.

وإضافة لما سبق أود أن أوضح أن بين المرجعيات الدينية في أوروبا من ينصب نشاطهم على شريحة أو جنسية معينة من بين المسلمين: كالمغاربة أو الأتراك مثلاً، بغض النظر عن كونهم يعيشون في بلد أوروبي واحد أو أكثر. ففتاوى الشيخ خليل المؤمنى - وهو مغربي يعيش في مدينة روتردام - لا يقتصر تداولها على المسلمين المغاربة في هولندا وحدهم، بل تجدها منتشرة بينهم على نطاق عدة بلدان أوروبية مثل بلجيكا وفرنسا.

المرجعيات الدينية خارج أوروبا:
فيما يتعلق بالمرجعيات الدينية خارج أوروبا، يجب أن نفرق من ناحية بين المؤسسات والتي تكون عادة مراكز تعليمية إسلامية تابعة للسلطة، وبين العلماء المستقلين من ناحية أخرى. فعلى سبيل المثال يندرج تحت الفئة الأولى" دار الإفتاء" بالرياض (المملكة العربية السعودية)، و"ديانة" بأنقرة (تركيا)، و "مجمع البحوث الإسلامية" التابع للأزهر بالقاهرة (مصر)، و "المجمع الفقهي" التابع لرابطة العالم الإسلامي، و "المجمع الفقهي" التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي وكلاهما بمكة المكرمة (المملكة العربية السعودية). وأود أن أؤكد على أن القائمة مازالت طويلة إذ لابد أن ندرك أننا نتحدث أيضا عن العديد من المؤسسات و المراكز المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي والتي ينهمر منها جميعاً سيل الفتاوى على المسلمين في أوروبا، حيث توجد تلك الفتاوى متفرقة في الصحف و الدوريات التي تصدر عن تلك المؤسسات.

وحقيقة لم أجد نموذجاً للعلماء المستقلين أفضل من الشيخ يوسف القرضاوي، والذي يحظى برنامجه التليفزيوني الأسبوعي -  الذي يبث من قطر - بشعبية كاسحة بين المسلمين الذين يتحدثون العربية في أوروبا. فالشيخ القرضاوي من خلال فتاواه المباشرة أثناء البرنامج وردوده على الأسئلة التي ترد له عبر الهاتف من كافة أنحاء العالم، وكذلك من خلال مؤلفاته وموقعه على شبكة الإنترنت - يلعب دوراً هاماً ومحورياً في تطوير و دعم الوجود الإسلامي في المهجر. والشيخ القرضاوي واحد من العلماء الذي يترددون على أوروبا بشكل متكرر طلباً لاستشارته واستعانة برأيه. كما حدث عندما دعى مع غيره من العلماء إلى المؤتمر الفقهي الذي عقد في شانيو شينون بفرنسا في عام 1992 لمناقشة القوانين الأوروبية في ضوء مبادئ الشريعة الإسلامية[8].

ونجد كذلك الشيخ فيصل مولوى مستشار المجلس السني الأعلى في بيروت، والذي كان يلقي محاضراته على نحو منتظم في فرنسا، ولفتاوى الشيخ مولوى صدى واسع في أوساط في الجيل الجديد من أبناء المسلمين في كل من فرنسا و ألمانيا، وخصوصاً دراسته حول "علاقة المسلمين بغير المسلمين"[9].

مجامع الإفتاء الدولية:
فضلاً عن إنشاء المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في فرنسا، فقد قام اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا - السالف الذكر بتأسيس مجلس أوروبى للإفتاء والبحوث وذلك عام 1997، ويضم ذلك المجلس نخبة من العلماء الذين يتصدون للفتوى في أوروبا إلى جوار عدد من العلماء الذين يعيشون داخل الوطن الإسلامي، ويهدف المجلس بالأساس إلى محاولة توحيد الرؤى الفقهية فيما يتعلق بحياة المسلمين في هذه الديار ما أمكن، ومنع البلبلة والصراع الفكري، ويتحقق ذلك عن طريق التشاور والبحث المشترك والاجتهاد الجماعي الذي أصبح اليوم ضرورة - بل فريضة.

ويرجى لهذا المجلس أن يكون "مرجعية دينية معتمدة" لدى السلطات المحلية في كل بلد، مما يقوى - حسب رؤية المجلس - شأن الجاليات الإسلامية ويشد من أزرها، ولا يقصد بهذا المجلس أن يكون منافساً أو بديلاً للمجامع الإسلامية الأصلية والكبيرة داخل العالم الإسلامي، بل هو مكمل لعملها في هذا الميدان الذي عنى به وتخصص فيه وهو (فقه الأقليات) ومن يعيش خارج ديار الإسلام، ولهذا فمقر المجلس حالياً في جمهورية أيرلندا.

ومن الجدير بالذكر أننا نتعامل في هذا الصدد مع مجلس سنى، فهو يعتمد في إصدار الفتوى على مصادر التشريع الإسلامي وهي القرآن والسنة والإجماع والقياس، ويتبين ذلك أيضاً من خلال أسماء أعضائه إذ أنهم بالكلية من السنة. ويعتبر المجلس المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها من مذاهب أهل العلم ثروة فقهية عظيمة ويختار منها ما صح دليله وظهرت مصلحته، مع مراعاة مقاصد الشريعة، وبهذا يتضح أن المجلس ينتمي إلى التيار الإصلاحي.

ويترأس المجلس الدكتور يوسف القرضاوي، أما نائب الرئيس فهو الشيخ فيصل مولوى، ويضم المجلس ثمانية وعشرين عضواً آخرين منهم ستة أعضاء من إنجلترا وأربعة من فرنسا وثلاثة من ألمانيا واثنان من السعودية واثنان من السودان وعضو واحد من كل من أيرلندا وألبانيا و أسبانيا وموريتانيا والنرويج والإمارات العربية والدنمارك وبلجيكا والبوسنة وبلغاريا وسويسرا.

وقد عقد المجلس الدورات الثلاث الأولى على الترتيب في سراييفو عاصمة البوسنة عام 1997، ودبلن عاصمة أيرلندا 1998، ثم عقدت الدورة الثالثة في مدينة كولون بألمانيا عام 1999، وقد أسس المجلس لجنتين فرعيتين للفتوى أحدهما في فرنسا.

وقد أصاب فاردنبرج حين ذكر عام 2000 في دراسته حول: "الإسلام في أوروبا حسب مصادرة الأصيلة" - "Normative Islam in Europe" أنه "قد تم نشر الأسئلة التي يطرحها المسلمون على المرجعيات الدينية لديهم وخصوصاً تلك التي تتعلق بالوسائل المعينة على تهيئة حياتهم بشكل صحيح وفقاً لتعاليم دينهم، كما نشرت أيضاً الأسئلة التي صدرت فتاوى رسمية للإجابة عليها. ويتنوع البحث في هذا الشأن حسب طبيعة المجتمعات الإسلامية المعنية، والإطار الذي تعيش فيه، إلا أننا نجد العديد من المشكلات المشتركة بين كل المسلمين الملتزمين - على مستوى أوروبا".

ويؤكد فاردنبيرج في فقرة لاحقة من نفس الدراسة: "بما أنه لا يوجد من يعيش بشكل دائم في أوروبا من الفقهاء الموثوق بهم، فيمكن إذاً إجراء دراسة واعية موجزة حول إمكانية تطبيق عناصر معينة من الشريعة الإسلامية في تلك البلاد، فباستثناء لندن وباريس يمكننا القول بأن هناك نقصاً حاداً في وجود قيادة فكرية إسلامية في أوروبا، وهذا يعني إجمالاً أن خيرة المفكرين يتحملون الكثير من التبعات مما يتعذر معه إيجاد تفكير إبداعي أصيل حول وجود الإسلام كدين في المحيط الأوروبي.

وقد يكون غياب الاتجاه الواقعي في دراسة الظاهرة محل النقاش، مرده إلى حقيقة مفادها أن الدراسات المسحية التي أجراها متخصصون مؤخراً حول "الفتاوى والمفتين" لم يوجه فيها أدنى اهتمام إلى المصادر الأساسية المتعلقة بالإسلام في المهجر إضافة إلى ذلك يجب أن ندرك أيضاً أن صيغة الفتوى ومعناها الدقيق قد لا يكون له نفس المغزى عند كافة الحركات والجماعات الإسلامية ذات الصلة.

فعلى سبيل المثال كتاب خالد مسعود الأخير حول"جماعة التبليغ" - تلك الحركة التقليدية التي تعنى بتجديد الإيمان، ويترك لدى القارئ انطباعاً بأن ثمة تغيراً واسع النطاق قد طرأ على نظرة أتباع هذه الحركة لأهمية الفتوى باعتبارها صادرة عن مرجعية دينية، وأنه قد تم استبدال تلك المرجعية بمصادر أخرى [10]ونلاحظ أن المنشورات المتوفرة تعتبر قليلة العدد مقارنة بأهمية الموضوع، وتتناول في دراستها لتلك الظاهرة أموراً هامشية أو عناصر جانبية فقط.

وبادئ ذي بدء فالدراسات المسيحية حول الإسلام في أي بلد أوروبى تتضمن أحياناً إشارات إلى أحد المفتين أو الفتاوى الفردية، وهذه حقيقة واقعة كأعمال لاندمان (1992) على سبيل المثال في هولندا، وبرنارد لويس (1994) في إنجلترا و أخيرا شولر وستيجمان (1998) في ألمانيا.

ثانياً: هناك بعض الدراسات في أوروبا لحركات إسلامية معينة بشكل شامل، وإن كانت قليلة إلا أنها اهتمت إلى حد ما بالدور الذي تلعبه الفتوى. نجد أن شيفارو مثلاً عندما نشر تقريره حول "الحركة الكيلانية" كنموذج في ألمانيا، قام بوضع فتاوى جمال الدين كيلاني في سياقها الملائم[11].

ثالثاً: نجد أيضاً بعض البحوث التي أجريت حول فتاوى مؤسسة معينة أو عالم مستقل، وتجدر الإشارة هنا إلى دراسة أجراها دن اكستر حول جمعية "ديانة" وبعض فتاواها للمسلمين في أوروبا[12]، والدراسة التمهيدية التي أجراها "بانت" حول الخطاب الإسلامي على شبكة الإنترنت، وتتضمن هذه الدراسة فصلاً هاماً بعنوان: "المنبر الإلكتروني": "الواجبات الإسلامية والمرجعية على الإنترنت"[13].
" Digital Minbar: Islamic Obligation and Authority online"

وكذلك الدراسة التي أجريتها بالتعاون محمد طحطاح حول فتاوى الشيخ خليل المؤمنى، الإمام المغربي بمدينة روتردام[14].

رابعاً: نجد لدينا بعض الأبحاث تتعلق بمواضيع وثيقة الصلة بوضعية الإسلام في المهجر استناداً إلى فتاوى قديمة ومعاصرة. وفضلاً عن دراسة خالد مسعود حول"وجود المسلم في ظل دولة غير إسلامية: ثلاث نماذج بديلة" [15] "Being s Muslim in a Non - Muslim Polity: Three Alternative Models".
وأيضاً دراسته حول "وجوب الهجرة: مفهوم الهجرة في الشريعة الإسلامية"
"The Obligation to Migrate: The Concept of Hijra in Islamic Law".

وحرىّ بالذكر أن هناك دراستين أجريتهما بالتعاون مع واصف شديد حول "موالاة حكومة غير إسلامية"  "Loyalty to a non - Muslim Government" وأخرى حول (قضية الذبح الشرعي)  "The [16]Case of  Ritual Slaughtering".

دراسة خالد أبو الفضل عن "الشريعة والأقليات الإسلامية: الخطاب الفقهي حول الأقليات من القرن الثاني/ الثامن حتى القرن الحادي عشر/ السابع عشر".
"Islamic Law and Muslim Minorities: The Juristic discourse on Muslim Minorities from the second/ eight to the eleventh/ seventieth Centuries"

والتي يتضح من عنوانها أنها دراسة تاريخية، إلا أنها تمثل بلا شك خلفية معلوماتية عظيمة الفائدة لكافة الدراسات المعاصرة والمناقشات الدائرة حول قضية الأقليات.

خامساً: هناك عدد قليل من الدراسات التي قام بها العلماء المسلمين حول القضية بشكل كلي، وأذكر منها كتاب "من فقه الأقليات" لخالد عبد القادر، وقد نشر في الدوحة عام 1997 ضمن سلسلة إصدارات كتاب الأمة الذي تصدره وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بقطر، ويعتبر هذا الكتاب أول إصدار باللغة العربية يتناول الموضوع من منطلق تأصيلي. وبعد صدور الطبعة الأولى من الكتاب بفترة وجيزة صدرت طبعة خاصة في الدار البيضاء بالمغرب في مارس عام 1998. وهذا الكتاب يتألف من 168 صفحة هو ملخص لرسالة دكتوراه من 700 صفحة لنفس المؤلف[17].

وفي الختام فإنني أود أن أستثمر هذه الفرصة لألفت الانتباه على عجالة لبعض الأعمال غير المنشورة. فعندنا في جامعة ليدن يشارك كافة طلاب برنامج ماجستير الدراسات الإسلامية - باللغة الإنجليزية - في حلقة نقاشية بعنوان: "الإسلام والغرب"، وهم مطالبون خلاله بتقديم بحثين مختصرين تحت إشرافي بالاشتراك مع زميل آخر هو خير زاد فيخرس. ويكون أحد البحثين بالأساس ذا طبيعة نصية نسبياً، حيث يتناول الدارس نص أحد الفتاوى بالتحليل مع إسقاطها على الواقع الأوروبي أما البحث الثاني فهو تجريبي قائم على الملاحظة، إذ يوجه لدراسة أحد مظاهر الحياة الإسلامية اليومية في المجتمع الهولندي استناداً إلى متابعة ميدانية.

والهدف الأساس من هذه الحلقة النقاشية هو تأهيل الدارسين لاتباع اتجاه متعدد التخصصات في مجال دراسات الأديان (بما في ذلك الإسلام بالتأكيد): فالبحث الأول ذو الطبيعة النصية يمثل الجانب النظري من الإسلام حسب مصادره الأصلية، وهذا يشكل جوهر البحث مع عدم إغفال السياق التاريخي و الاجتماعي الذي صدرت فيه الفتوى. أما البحث الميداني فإنه يشكل الجانب العملي من الإسلام مع اعتبار الإطار النظري منطلقاً للدراسة وفقاً للمصادر الأصلية.

وإضافة لهذه الأبحاث الإلزامية فإن بعض الطلاب قد اختاروا لأطروحاتهم موضوعات تتعلق بالإسلام في أوروبا. ولقد أثمر هذا البرنامج -  نتيجة لوجوده على مدار أكثر من ثماني سنوات وحتى الآن في جامعة ليدن - مجموعة قيمة من الأبحاث و الأطروحات والمصادر الأصلية المتعلقة بالفتاوى الصادرة للمسلمين في الغرب عموماً وفي هولندا على وجه الخصوص.

وعلى سبيل المثال فأحد الخريجين (محمد أبو شعيشع) تناول في بحثه "احتفال المسلمين في هولندا بشهر رمضان" ردود الأفعال المختلفة لأئمة المساجد بمدينة روتردام حول فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء و البحوث الخاصة بحساب غرة رمضان وآخره[18].

أما محمد أنور شريف الدين الذي قدم بحثاً بعنوان "تعريف دار الإسلام و دار الحرب: دراسة فتوى الشيخ محمد رشيد رضا حول روسيا والمسيحيين الأرثوذكس": فقد عرض لمناقشات فقهية في بدايات القرن العشرين مع الإشارة إلى روسيا و البوسنة، إذ يشكلان خلفية لا غنى عنها في الدراسة الجارية على مدار الأعوام الماضية حول " إعادة قراءة التشريعات الأوروبية وفق مبادئ الفقه الإسلامي[19].

وأخيراً فإن محمد هاشم في أطروحته للماجستير "مشكلات الأقليات المسلمة في المحيط غير المسلم" قد قدم دراسة لفتاوى شيخ الأزهر السابق الشيخ جاد الحق على جاد الحق المتعلقة بالمسلمين في الغرب[20].

وفي دراستنا التي يجري الإعداد لها حول الخطاب الفقهي (الفتاوى) المتعلق بوجود الإسلام في أوروبا، سأقدم مع زميلي فيخرس مسحاً شاملاً لكافة الأبحاث غير المنشورة لدينا.

أبحاث على المدى القريب:
على أساس المعطيات السابقة أود أن أحاول هنا رسم الخطوط العريضة لمهمة بحثية مستقبلية تأتي على ثلاث مراحل متتالية. وبالتأكيد فإن هذا المخطط لا يزال بحاجة إلى تنقيح وتطوير، وماعرضته هنا إلا إثراءً للنقاش وإفادة من آراء المهتمين بدراسة وضع الإسلام في أوروبا آملاً في الخروج بمزيد من التفصيل المفيد.

وفي تصوري فإن مراحل المشروع الثلاث هي:
1- تصنيف الفتاوى وتحليل مضمونها.
2- دراسة مقارنة لنماذج الفتاوى وتوجهاتها.
3- تحليل السياق الاجتماعي والثقافي الذي صدرت فيه الفتاوى.

المرحلة الأولى وهي الخاصة بتصنيف الفتاوى وتحليل مضمونها سوف تعنى أساساً بتتبع المرجعيات الدينية و دراسة كافة أعمالها ذات الصلة، إضافة إلى معرفة الجهات والدوائر التي طرحت الأسئلة بداية، مروراً بالملابسات المحيطة بتلك الأسئلة والظروف التي ساعدت على ظهورها ثم وصولاً إلى أجوبة العلماء عليها.

وتشمل مرحلة "تحليل المضمون" هذه تصنيفاً للفتاوى على أساس:
• الموضوع المطروح في السؤال.
• المنهجية الأصولية المتبعة في الإجابة.
• ملخص لأهم النقاط الواردة في الفتوى.

وقضية نشر المادة العلمية التي ستخرج بها المرحلة الأولى من المشروع بشكل كامل، لا تزال - من وجهة نظري - موضوع نقاش. فقد يكون الأنسب عملياً الاحتفاظ ببعض الفصول في قاعدة بيانات يتم إنشاؤها خصيصاً لهذا المشروع البحثي - ولتكن على سبيل المثال "ملخصات الفتاوى"، في حين يتم تخصيص (مونوجرافات) تقارير مستقلة تحتوي على التعريف بالمرجعيات الدينية، والمنهجية العلمية التي اتبعوها، وكذلك المواضيع محل البحث إضافة إلى الجهات المهتمة بها والظروف الاجتماعية التي أدت إلى نشأتها. من الضروري أن يكون الباحثون من الكفاءات المؤهلة بشكل متين في مجال الدراسات الإسلامية إضافة إلى المهارات اللغوية المطلوبة للبحث.

قد يحتاج أولئك الباحثون إلى مزيد من التدريب على منهجية العمل الميداني، إذ لابد لهم من دراسة المرجعيات الدينية والبحث عن المادة العلمية اللازمة، وذلك من خلال التشاور والتواصل المباشر مع الأئمة وغيرهم من الشخصيات البارزة في الأوساط الإسلامية. وبإمعان النظر في هذا التنوع الهائل في المادة العلمية واللغات المستخدمة في هذا المشروع، نجد أنه من الضروري تطوير خطط البحث لتوازي ذلك التنوع اللغوي، التي تعرضت لها الفتاوى، وكمّ الفتاوى التي تتناول موضوعاً واحداً بعينه يعتبر معياراً هاماً بالتأكيد في هذا الصدد. والمفترض أن تركز تلك التحليلات على المواقف المتباينة التي اتخذت في التعاطي مع تلك القضايا الجوهرية. ويجب أيضاً أن تقوم الدراسة بتطوير بنية نظرية تحليلية دقيقة خاصة بها، وفيما يتصل بذلك فاستخدام الأبحاث المتاحة - والتي ذكرت بعضاً منها آنفاً -  يعطي مزيداً من التوضيح.

أما في المرحلة الثالثة والأخيرة من هذا البرنامج، فسوف يقوم علماء الاجتماع بدور جوهري وهو "التحليل الاجتماعي والثقافي للسياق الذي صدرت فيه الفتاوى" والمهمة التي ستتصدر قائمة أعمالهم هي صياغة الاستبانات وتحديد المجموعات المستهدفة ليتم إجراء مقابلات معها. وتشكل هذه الخطوة مقياساً لمدى التأثير الفعلي للنماذج والعوامل والناتجة عن المرحلة الأولى إضافة إلى المقابلات وتحليل نتائجها. كما سيتم إجراء دراسات تجريبية قبل الشروع في العمل الفعلي وخصوصاً لاكتشاف المتغيرات النهائية التي ستظهر لاحقاً ولم يتضح في نتائج المرحلتين الأولى والثانية.
[1] برنارد لويس 1994 صفحة 115 - 122.
[2] فريجوسى، 1998: صفحة 123.
[3] بويكلير، 1995: صفحة 51.
[4] ابن شيخ: 1997.
[5] شيولر وستيجمان، 1998: صفحة 226 - 227.
[6] أكجوتل، 1999: صفحة 175 - 179.
[7] رسول، 1997.
[8] رمضان، 1999، صفحة: 142.
[9] مولوى، 1987، مراد، 1999.
[10] خالد مسعود 2000.
[11] شيفارو، 2000.
[12] دن اكستر، 1990.
[13] دانت، 104: 2000 - 131.
[14] فان كونتكسفيلد وطحطاح، 1998.
[15] خالد مسعود، 1989.
[16] كونتكسفيلد وشديد، 1992 و 1996.
[17] خالد عبد القادر، 1997.
[18] أبو شعيشع، 2001.
[19] شريف الدين، 2000.
[20] هاشم، 1997.



0
مؤتمر بلندن رفضا لكراهية الإسلام


مؤتمر بلندن رفضا لكراهية الإسلام 



مؤتمر بلندن رفضا لكراهية الإسلام
احتضنت العاصمة البريطانية لندن  مؤتمر "تعدد الثقافات ومناهضة العنصرية وكراهية الإسلام"، بمشاركة واسعة من ممثلي الجماعات العرقية والثقافات المختلفة.


وبحث المؤتمر الذي عقدته "منظمة اتحدوا ضد الفاشية" بالتعاون مع عدد من منظمات المجتمع المحلي لمدة يوم واحد، تزايد خطر العنصرية وكراهية الإسلام، وتنامي نشاط جماعات اليمين المتطرف مثل "رابطة الدفاع الإنجليزية" المعادية للإسلام.

وتحدث في المؤتمر أعضاء في مجلس العموم البريطاني (البرلمان) وأعضاء في البرلمان الأوروبي ورؤساء النقابات والاتحادات وقادة منظمات سياسية ودينية واجتماعية، والأمين العام "للاتحاد الوطني للصحفيين البريطانيين" وعدد من الكتاب والفنانين.

واعتبر المؤتمرون أن هناك زيادة ملحوظة في إلقاء المسئولية على الآخرين من المسلمين والغجر والمهاجرين والأقليات الأخرى بسبب الأزمة الاقتصادية المتزايدة.

واتهموا القادة السياسيين بالسعي لتحويل الغضب من سياسات حكوماتهم، باستهداف التعددية الثقافية في بعض البلدان الأوروبية عبر فرض حظر على الحجاب ومنع بناء المآذن، والصلاة في الشارع، فضلا عن التشريعات المقترحة بشأن الذبح الحلال.
وطالبت "المبادرة الإسلامية في بريطانيا" الحكومة البريطانية بإصدار قانون يجرم من يقوم بالتهجم والاعتداء على الدين الإسلامي أسوة بقوانين مماثلة كمعاداة السامية.

وقالت السكرتيرة التنفيذية لمنظمة "اتحدوا ضد الفاشية" سابي داهليو إن المجتمع البريطاني توحد ضد الفاشية في هذا المؤتمر الذي ناقش كيفية مكافحة العنصرية واليمين المتطرف وأكد على قيم المجتمع البريطاني متعدد الثقافات.

وأوضحت أن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون قد شنّ مؤخرا هجومًا على العمال المهاجرين، كما أن "رابطة الدفاع الإنجليزية" أعلنت أنها سوف تنظم مسيرة في مدينة برمنغهام ضد الإسلام، وهو ما يثبت حسب تعبيرها أنه لم يكن هناك وقت أكثر أهمية لعقد المؤتمر أكثر من الآن.

المتحدث الرسمي باسم المبادرة الإسلامية في بريطانيا محمد كزبر
من جانبه قال المتحدث الرسمي باسم، "المبادرة الإسلامية في بريطانيا" محمد كزبر, إن حملة الكراهية ضد الإسلام أو ما يعرف باسم "الإسلاموفوبيا" تتصاعد يومًا بعد يوم، وأصبحت الجالية المسلمة تدفع ثمنًا غاليًا جراء الحملة غير المسبوقة من قبل بعض جماعات اليمين المتطرف في بريطانيا وأوروبا عموما.

انحياز ضد المسلمين

واتهم كزبر بعض وسائل الإعلام بالانحياز ضد المسلمين، بغرض عزل الجالية المسلمة ودفعها نحو التطرف وإثارتها على رد الفعل، مما جعل المنظمات الإسلامية في أوروبا تضاعف جهودها، وتسعى للتنسيق والتعاون مع الشركاء من غير المسلمين للتصدي للحملات العنصرية ضد المسلمين.
وأكد كزبر أن المنظمات الإسلامية في بريطانيا نجحت، من خلال فعاليات مختلفة، في تعريف المجتمع البريطاني بخطورة جماعات اليمين البريطاني المتطرف، وعلى رأسها "رابطة الدفاع الإنجليزية" و"الحزب الوطني البريطاني".

وأشار إلى أن الجالية المسلمة قادرة على إحداث تغيير، والعيش المشترك بين مكونات المجتمع البريطاني، خصوصا بعد الكشف عن علاقة هذه الجماعات العنصرية مع السفاح النرويجي الذي قتل العشرات في النرويج بسبب أفكاره وقناعاته العنصرية والمتطرفة.

واعتبر كزبر أن الجالية المسلمة تستطيع أن تلعب دورا مهما وإيجابيا بهذا الخصوص، حيث ساعدت الجالية المسلمة خلال أحداث الشغب التي عمت الكثير من المدن البريطانية مؤخرا، في الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة ودور العبادة والمحلات التجارية، وقد دفعت ثمنا باهظا في مدينة بيرمنغهام عندما قتل ثلاثة شبان مسلمين على يد بعض المشاغبين خلال حراستهم للممتلكات.

قصة الإسلام - وكالات

0
الأقلية المسلمة في بلغاريا


مقدمة
لا يُمْكن تَناوُل الأقلِّية المسلمة في بلغاريا دون التطرُّق لتركيا؛ إذْ شَهِدَت بلغاريا ترحيلاً لأعداد كبيرة من بلغاريا تُجاه البلد الجار منذ 120 عامًا؛ لأسباب كثيرة؛ منها: سياسيٌّ اقتصادي وقَسْري.

 ما بين المُدَّة 1878 - 1912 رُحِّل ما يُقارب 350 ألفَ مواطن مُسْلم من أصول تركيَّة، شيشانيَّة وتَتَرية.

 منذ العام 1913 وحتى العام 1934 كان يُرَحَّل بمعدل 10 - 12 ألف مسلم كلَّ عام.

 في المدَّة الممتدَّة من 1940 - 1944 رُحِّل من بلغاريا 15 ألف مسلم.

 تأميم الأراضي وتحويل ملكيَّتها لجمعيات كبيرة مشتركة أدَّى إلى ترحيل 155 ألف مسلم خلال المدَّة 1950 - 1951.

 بعد توقيع مُعاهَدة لَمِّ الشَّمل ما بين بلغاريا وتركيا عام 1968، غادَر بلغاريا إلى تركيا نحوُ 70 ألف مسلم.

 أكبر مَوْجة ترحيل إلى تركيا كانت بعد الانقلاب الأبيض، وتَحوُّل بلغاريا نحو اقتصاد السُّوق عام 1989؛ حيث غادر البلادَ نَحْوُ 360 ألف مواطن مسلم، ولكنْ جزْءٌ من هؤلاء المهاجرين (نحو 120 ألف مسلم) عادوا إلى بلغاريا.

 خلال المُدَّة 1990 - 1997 وبسبب الأزمة الاقتصادية الحادَّة في بلغاريا والفقر المُدْقِع الذي اجتاح البلاد، هاجَر مُجدَّدًا 30 - 60 ألف مسلم تجاه تركيا، وهذه المرَّة بحثًا عن العمل ولتحقيق شروط أفضل لممارسة الحياة.

ووفقًا لبياناتٍ أعدَّها مُخْتَصُّون هناك ما يقارب 400 ألف مهاجر بلغاري مسلم في تركيا في المدَّة ما بين 1989 - 1997.

الحقوق المدَنِيَّة للمسلمين البلغار:
يجب الأخذ بِعَين الاعتبار أنَّ تركيا تَعُدُّ هذه الكتُلَ البشرية المندفعة نحو أراضيها مُهاجرين، وليسوا مُواطنين، وأقامت لهم مُعَسكرات ومُخيَّمات؛ حتى تتمكَّن من استيعابهم، استغلَّ رجال الأعمال هذه الظاهرة، وأقاموا شُقَقًا سكنيَّة رخيصة وعاجلة، والتي سقط بعضُها نتيجة للزَّلازل التي ضرَبَت البلاد لاحقًا.

جاء في الدُّستور الأوَّل الذي اعتمدَتْه الحكومة البلغارية عام (1877 - 1947) أنَّ الدِّيانة الرئيسيَّة في البلاد هي النصرانيَّة، مع الحفاظ على حُرِّية مُمارسة شعائر الدِّيانات للأقلِّيات الأخرى المتواجدة في البلاد، لكن الواقع يَخْتلف عن النِّيات الْحَسَنة المقروءة في الكتب والدَّساتير، هناك إحصائيَّة تشير إلى أن عدد المسلمين في بلغاريا عام 1887 كان يبلغ 20% مِن عدد سُكَّان البلاد، تناقصتْ هذه النِّسبة خلال الرُّبع الأول من القرن العشرين لِتَصِل إلى 12 %، وخلال أربعينيَّات القرن العشرين انخفضتْ دون 10%، وفي الخمسينيَّات من القرن الماضي وصلت النسبة إلى 8.6%، وقد أظهر المواطنون المُسْلِمون الذين فضَّلوا البقاء فوق الأراضي البلغارية ولاءهم للدَّولة البلغاريَّة، حتى إنهم شاركوا في جميع الحروب التي خاضَتْها بلغاريا.

بَقِيَت علاقات حُسْن الجوار ما بين مُسْلِمي البلاد ومَسِيحيِّيها جيِّدة، حتَّى بدأت الحكومة البلغارية بالعمل الجادِّ على طَمْس هُوِيَّة المسلمين، وذلك بالتغيير القَسْري لأسمائهم، هذه العمليَّة أدَّت إلى فَقْد الثِّقة ما بين الطَّرَفين، كما بدأت الجماعات المسلمة بالتفكير في الانتقام، وبات هناك تفاوُتٌ ثقافِيٌّ واجتماعي، وأصبح مِن السَّهل تَمْييزُ المناطق القرويَّة الفقيرة المسلمة من مناطق السَّواد العامِّ من المواطنين البلغار.

العلاقة المشتركة لَم تكن بهذا السُّوء قبل مُحاولات طَمْس الْهُويَّة المسلمة، فقد وفَّرَت مُعاهدة أنقرة عام 1925 الكثيرَ مِنَ الحقوق للأقلِّية المسلمة في بلغاريا، كفَتْح مئات المدارس التي تدرس موادَّ باللُّغة التركية، واعتماد دار للإفتاء لِحَلِّ قضايا وشُؤون الأقلِّية المسلمة الدِّينية والاجتماعية، وخَصَّصَت الدولة ميزانيَّة لبناء الجوامع ورواتب رجال الدِّين والإفتاء، كما سَمَحت ببناء المدارس الخاصَّة للأقلِّية المسلمة، والجدير بالذِّكر أنَّ عددًا كبيرًا من المسلمين ذَوِي الأصول التُّركيَّة لا يعرفون اللُّغة البلغارية، ويَتواصَلون فيما بينهم باللُّغة التُّركيَّة، بالرغم مِن أنَّ هذه الظاهِرة قد خفَّتْ حِدَّتُها في الوقت الحالي، وجهلهم للُّغة البلغارية كان له أثرٌ اجتماعي؛ لعدم تمَكُّنِهم من المنافسة في سوق العمل.

ما قام به كمال أتاتورك خلال ثلاثينيَّات القرن الماضي ترك أثرًا كبيرًا على الأقلِّية المسلمة في بلغاريا، فقد بدأ تأسيس مجتمع مدَنِي على حساب النَّهج الدِّينِيِّ العقائدي، ودُعِيَ مُدَرِّسون بلغار لتعليم التاريخ والعلوم والبلغاريَّة في المدارس التُّركية، والتي تجاوز عددها 1100 مدرسة خلال خمسينيات القرن المنصرم.

من الجمعيات والمُؤَسَّسات التي كانت منتشرة آنذاك نَذْكر جمعية "توران"، "ألتن أوردو"، "ألبسران" وغيرها.

النظام الاشتراكي والحكم الشمولي:
مع انتِهاء الحرب العالمية الثانية طرأ تغييرٌ شامِل على النظِّام السِّياسي في بلغاريا، وبدأ التَّحضير لِمَرحلة جديدة من التفكير، وأَدْلَجة المجتمع البلغاري، والسَّيْر نحو عالَمٍ علماني، بل ومُلْحِد، تَمشِّيًا مع الأفكار الاشتراكية، امتدَّت هذه المرحلة ما يُقارب نصف قرن من الزمان قبل انْهِيارها، ولم تكن الأقلِّية المسلمة بمعزل عن هذه التطورات.

تمَكَّن الحزب الشُّيوعي من اجتذاب الكثير من أبناء هذه الأقلية إلى صُفوفه، وبِدَوْرهم قاموا بالتأثير على الأقلِّية الْمُسلمة لِتَبني الأفكار الاشتراكيَّة، ولَم يكتفِ الحزب الشيوعي بهذا، بل قام بمحاولة تصدير الثَّورة لتركيا من خلال هجرات صغيرة منظَّمة من جماعات تنتمي للحزب وتُؤْمن بأفكاره، ومُنِعَت المدارس التركية الخاصة، بل بدأ تدريس أبناء الأقلِّية المسلمة في مدارس حكوميَّة مُوجَّهة سياسيًّا عقائديًّا بما يَخْدم الفكر الاشتراكي، كما أغلقت المسارح التُّركية والصُّحف الناطقة باللُّغة التُّركية، كانت هذه بداية نهاية مرحلة التَّسامُح خلال الحِقْبة الاشتراكية للبلاد.

تمَكَّن الحزب من خلال المدارس المشتركة من التأثير على فكر أبناء الأقلِّيات الَّذين بدؤوا يفكِّرون بِنَمَط متماثل، ويمكن ملاحظة هذا التأثير حتى يومنا هذا.

آلاف الموطنين من الأقلِّية المسلمة دخلوا في صفوف الحزب الشُّيوعي البلغاري، وحصلوا على مراكز متميِّزة في صفوفه مع مُرور الزمن، تحديدًا في هذه المرحلة شعرَتِ الأقلِّية التُّركية بأنَّ مَصالِحها الاقتصادية مُهَدَّدة حين شرعت الحكومة بتأميم أراضيهم؛ لِتُصبح ملكيَّتُها جماعيَّة، بهذا شَهِدتْ خمسينيَّاتُ القرن الماضي موجة هجرة كبيرة جديدة لتركيا، حيث غادر البلادَ ما يقارب 155 ألف مسلم.

ستِّينيات القرن الماضي شَهِدَت أوَّل مُحاولة جدِّيَّة لِطَمْس الهويَّة التُّركية المسلمة، حيث أُغْلِقت الكثير من المراكز والمدارس، والمواقع الدِّينية والثقافية، وخلال العام 1964 جرَتْ أُولَى المحاولات لتغيير الأسماء؛ لِتُصبح أسماء بلغارية؛ رَغْبةً من الحِزْب في توحيد الأُمَّة وصَبْغها بقالب وطني موحَّد، لكن المقاومة آنذاك كانت شديدة للغاية وتَخلَّت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري عن مُحاولتها تلك، لكنَّها أجَّلَت نِيَّتَها إلى مرحلة لاحقة، كما حدث فعلاً في سبعينيَّات وثمانينيات القرن الماضي.

شتاء 1984/ 1985 قارص:
خلال شتاء هذا العام دخَلَت المُدَرَّعات وقُوَّات الجيش البلغاري مناطق الأَتْراك المسلمين في كيرجيلي وسمولين وفيلينغراد؛ لِتَغْيير أسمائهم عنوة، حتى الأموات غَيَّرت أسماءهم، وقد كانت الأحداث مأساويَّة؛ فقد انتَحَر الكثير من المسلمين؛ لأنَّهم يَعْرِفون أهَمِّية الأسماء الدِّينيَّة؛ لأنَّ الله - سبحانه وتعالى - يُنادي يوم الحساب على الأفراد بأسمائهم؛ وذلك لِتَحديد مأواهم الأخير "الجنة أو النار"، وقد أقدَمَتْ أُمَّهات على رَمْيِ أبنائهن من نوافذ المستشفيات بعد ولادتهم؛ لعدم رغبتِهِنَّ بتسمية أطفالهن الرُّضَّع بأسماء غير إسلاميَّة، فقد تكون هناك أسباب أُخْرى عَدا توحيد هُوِيَّة الأُمَّة كما ادَّعى الحزبُ الشيوعيُّ آنذاك، لا أحد يُمْكِنه معرفة ذلك، فكما هو معروف، كان الحزب الشيوعي يتَّخِذ القرارات المصيريَّة شفهيًّا، وكان يعرف بها مَجموعة محدودة من المقرَّبين من أصحاب القرار في الحزب الشيوعي البلغاري.

أشرف الحزبُ على تدمير وحَرْق أرشيف المواطنين الأتراك، وماضيهم الثقافي حتَّى الوثائق الصحِّية، وكل ما يدلُّ على هُويتهم الدِّينية المميزة.

خلال ربيع عام 1989 قام الأتراك في جنوب البلاد والشمال الشَّرقي حيث يتواجدون بتظاهرات كبيرة؛ لاستعادة أسمائِهم الحقيقيَّة، وقد أسفَرَت هذه المظاهرات عن اشتباكات عنيفة مع الجيش والميليشيا، خلَّفَتْ قَتْلى وجرحى، فقامت الحكومة البلغارية بعد ذلك بإبعاد بِضْعة آلاف من النَّاشطين البلغار المسلمين إلى تركيا، تَبِعَ ذلك أكبر موجة هجرة نحو تركيا؛ إذْ غادَرَ البلادَ ما يُقارب 350 ألف مسلم بلغاري، عاد منهم 120 ألف فيما بعد.

مَجْلس المصالحة الوطني:
تأسَّس هذا المَجْلس عام 1989 وانحلَّ عام 1991، وكانت وظيفته إيجادَ صيغة جديدة للتَّسامُح والمصالَحة الوطنيَّة بين الأقليات في المُجْتمع البلغاري، وتأسَّس خلال هذه المدَّة اتِّحادُ القُوَى الدِّيمقراطي المعارض، وبدأ العمل على استعادة حقوق الأقلِّية المسلمة وإعادة أسمائهم للرَّاغبين بذلك، واستعادة حقوقهم المدَنِيَّة والدِّينيَّة، وقد عرض المجلس رؤيته وبرنامجه على وسائل الإعلام العالميَّة، وشارك أعضاؤه في التَّظاهُرات والاعتِصام الذي قام بها المسلمون البلغار في أنْحَاء البلاد، وتمَكَّن المسلمون البلغار مِن استعادة الكثير من حقوقهم بعد أن دخلَتِ البلادُ في المرحلة الانتقاليَّة، وانتهجت الديمقراطيَّة، وأطلقت الحُرِّيات الشخصية والدينيَّة، فتمكن 600 ألف مسلم من استعادة أسمائهم القديمة حتى ربيع عام 1991، ولم يكن هذا بالأمر السَّهل؛ لأنَّ موجةً جديدة من الفكر اليمينِيِّ المتطرِّف أخذتْ بالظُّهور، وتَمثَّلَت في حزب أتاكا الذي يقوده "فولين سيدروف"، الذي قاوَم وبشدَّة حضورَ حركة الحقوق والحُرِّيات في الحياة السِّياسية في البلاد، واستلامها لمقاليد الحكم، وتمكُّنها بالفوز في المناطق ذات الأغلبيَّة المسلمة، لكن بالرَّغم من كل هذا، قامت الحكومات المتتالية بتعويض المسلمين عن الأضرار الكبيرة التي لَحِقَت بهم نتيجة للتَّطهير العِرْقي للأحياء منهم، وكذلك إعادة تكريم الأموات بتعديل أسمائهم وتقديم التَّعْويضات لأبنائهم، إلاَّ أنَّ الملفَّات الخاصَّة بتلك المرحلة القَسْريَّة خلال عام 1985 بَقِيَت سِرًّا، ولم ينلْ قادة تلك الحملة جزاءهم القانونِيَّ حتى اللحظة.

خلال عام 1990 تأسَّسَت حركةُ الحقوق والحريات برئاسة أحمد دوغان، وبالرَّغم من الشُّكوك التي تُؤَكِّد أنَّ الحزب الشيوعيَّ السابق أشرف على تأسيس هذه الحركة، بل ومارس ضُغوطًا مُباشِرَة على زعيمها أحمد دوغان، إلاَّ أنَّ الحركة شهدتْ تطوُّرًا ملحوظًا، وتركت بصمات واضِحَة لِخَلْق أجواء مِن التَّسامُح، وأسس العيش المشترك، بهذا تمكَّنَت الحركة من التخلُّص من الضغوطات التي فرضها مؤسِّسوه الأوائل.

أحمد دوغان:
شخصيَّة دوغان جدَلِيَّة، وقد تناولَتْه وسائل الإعلام في صور عديدة؛ فتارة تَعْرِضه كفارس شرقي، وتارة أخرى عميلاً لتركيا، لكنَّه تَمكَّن من تسجيل اسمه في صفحات تاريخ بلغاريا المُعاصِر، جنبًا إلى جنب مع الشخصيات التي ساعَدَت في بناء هرم ديمقراطي ما تزال معالِمُه غير واضحة، وتحتاج إلى مزيد من الصَّقل والتطوير.

تقدَّمَت الأحزاب الوطنيَّة اليمينيَّة المتطرِّفة للمحكمة الدُّستورية بأسئلة حول تنظيمات الأقلِّية المسلمة، ليس بسبب تجاوُزات دستوريَّة، لكن لاتِّهامها بأنَّها تنظيمات تركيَّة - مُسْلِمة غير بلغاريَّة - وطنية، عادة ما تُتَّهم تنظيمات الأقلِّية بالعمل على خَلْق أزمات اقتصاديَّة وسياسيَّة حال فشَلِ بعض الحكومات البلغاريَّة، ورُبَّما يعود السَّبب في ذلك إلى مُحاولة الحكومات تحويل أنظار الشَّعب لقضايا أخرى، بعيدًا عن المشاكل الحقيقيَّة التي تُواجِهُها بلغاريا، وتحديدًا المجال الاقتصادي، والفساد المالي والإداري.

الجدير بالذِّكر أنَّ حركة الحقوق والحرِّيات باتتْ جزءًا هامًّا وأساسيًّا في المجتمع البلغاري، كما أنَّها شاركت في إدارة البلاد، حيث كانت جزءًا من الحكومة الائتلافيَّة المشتركة ما بين الحزب الاشتراكي وحزب الملك سيميون، وتمكَّنَت من إنهاء ولايتها بِغَضِّ النَّظر عمَّا إذا كانت تلك المرحلة ناجحة على الصَّعيد الاقتصادي وهو ما يَشْغل البلاد حاليًّا، وذلك نتيجة للأزمة الاقتصاديَّة والعجز المالي الذي تُعاني منه الحكومة الحاليَّة برئاسة "بويكو بوريسوف".

تحاول بالطبع الحكومة الحاليَّة تَحْميل الحكومة السَّابقة الصُّعوبات الاقتصاديَّة والمالية التي تَمُرُّ بها البلاد، كما يواجه دوغان حاليًّا حَمْلة شرسة، وتتَّهِمُه بعض الأوساط السِّياسية بالتجسُّس والعمل لصالح تركيا، من جهة أخرى تتَّهِمه الأقلِّية المُسْلِمة بالفشل في عدم قدرته على اجتذاب رؤوس الأموال لِمَناطقها الفقيرة، وتطويرها؛ لتحسين فُرَص العمل والنجاح.

الإحصاءات والبيانات تشير إلى أنه يعيش في بلغاريا مليون مسلم، بعضهم من أصول تركيَّة، والجزء الآخر بلغار اعتنَقَوا الدِّيانة الإسلاميَّة، تركت المرحلة الاشتراكيَّة والحياة العلمانيَّة في تركيا أثرها على طريقة حياة هذه الأقلِّية، فَهُم يشاركون البلغار احتفالاتهم النصرانية والوطنية، وبات الإسلام بالنسبة لغالبيتهم انتماء وهُوِيَّة أكثر من كوْنِه توحُّدًا وعبادة.


تُحاول الحكومة الحاليَّة التأثير على القرارات المستقلَّة لهذه الأقلِّية، وقد لاحَظْنا هذا في أزمة دار الإفتاء الأخيرة؛ إذْ حاولَتِ الْمَحكمة تعيين كبير دار الإفتاء "نديم غينتشيف" رغْمًا عن نتائج المُؤْتَمر الذي عقدَتْه الأقلِّية المسلمة لانتِخاب مُفْتِي الجمهوريَّة، لكن بالرغم مِن كُلِّ هذا، نَجِد أنَّ المجتمع المدني آخِذٌ في التطوُّر، وستبقى هذه التدخُّلات محدودة، وهذا لا يعني انتهاءها؛ لأنَّ بلغاريا في نهاية المطاف بلد صغير، يَخْشى قادته من التَّغييرات الديمغرافية وهجرة المواطنين البلغار خارج البلاد بَحْثًا عن حياة أفضل، والجدير بالذِّكْر أنَّ عدد سُكَّان بلغاريا انْخَفَض دون 7 ملايين مواطن بعد أن تجاوَز 8.5 مليون مواطن قبل عشرين سنة.

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

 
تعريب وتطوير مدونة الفوتوشوب للعرب
المسلمون في العالم © 2011 | عودة الى الاعلى
Designed by Chica Blogger